لا يُنتِج الإعلام الحرب، لكنه يصيغ إيقاع إدراكها. تبدأ القصة على شاشة فضائية عربية توصف بأنها امبراطورية. تقاطع المذيعة المراسل الذي كان مسهباً في ذكر معلومات بالغة الأهمية في إطار سردي تحليلي، وتوجّه المشاهد نحو بث مباشر بات يحتلّ الآن الشاشة والانتباه. حالياً، نحن إزاء مَشاهد تظهر تصدي الدفاعات الجوية الإسرائيلية لصواريخ إيرانية.
"دعنا نستمع إلى الأصوات" تقول، فيما ما
يسمعه وما يراه المُشاهد من زاوية الكاميرا الضيقة والمؤطرة في حدود ضوابط الرقابة
الإسرائيلية لا تقدم له أي معنى ذي قيمة. سواء الأصوات أو الصور، تبدو تافهة
مقارنة مع الصورة الكبيرة والزاوية الواسعة التي كان يستعرضها المراسل.
تتكرر هذه المقاطعة
مراراً وتكراراً على حساب معلومات وسياقات قيّمة يستعرضها ضيوف وخبراء الشاشات
لصالح الخبر العاجل والحي، مهما كان سطحياً وهامشياً. يتكرر ذلك في معظم الشاشات
العربية وبأكثر من شكل إن لم يكن فيها كلها من دون استثناء. ليس السؤال هنا: ما
الداعي إلى تلاوة الخبر العاجل الذي لا يتّسم بأي قيمة معرفية ونطقه في كل مرّة،
إذا كان بوسع المشاهد أن يقرأه بوضوح على الشاشة؟ بل ما علاقة ذلك بسياق هذا
المقال وسؤاله المركزي؟
تمجيد اللحظة الراهنة
بعض الدراسات
الإعلامية التي تتناول هذه الإشكالية تصطلح عليها بعبارة "عبودية
اللحظة" أو "طغيان الفورية"The
Tyranny of the Immediate . يدرس هذا
الاتجاه كيف أصبح "الحدث الحي" غاية في حد ذاته، بغض النظر عن قيمته المعلوماتية
أو عمقه التحليلي.
"ثقافة الحضور الدائم" التي تم غرسها
وتنميتها في مختلف أنواع الميديا ومن قبل من يهيمن على صناعتها بشكل أساسي، باتت
تعزّز الانطباع بأن قيمة المعلومة مرتبطة بلحظة وقوعها فقط، ما خلّف أضراراً على
أكثر من صعيد:
- تهديد السياق، خصوصاً إذا كان الانتقال إلى
البث المباشر يفتقر إلى "الخلفية التاريخية" أو "التحليل
العميق" لأن الأولوية هي لنقل الصورة فوراً.
- تحوّل الخبر من مادة للمعرفة إلى
"فرجة" أو "مشهد بصري". أكثر ما يتجلّى ذلك في بعض الفضائيات
الخليجية.
تصبح هذه المسألة أكثر
إلحاحاً في ظل الدفق الإعلامي الهائل الذي يتعرض له منذ "طوفان الأقصى"
متابعو الأخبار في الشرق الأوسط على اعتبار أنهم متأثرون مباشرة بما يحدث ومعنيون
بالأحداث أكثر من غيرهم. المسألة لا تتعلق فقط بتمجيد اللحظة الراهنة على حساب
السياق والقيمة المعرفية، إنما بكونها مدخلاً إلى إشكالية أكثر تحدياً ترتبط
بالذاكرة والانتباه والإدراك وتشكيل الوعي في ظل أحداث مصيرية تحدد مستقبل المنطقة.
السياق مقابل السباق
بعد أقل من سبعة شهور
على اكتمال العام الثالث لـ"طوفان الأقصى" تسقط من الذاكرة تفاصيل كثيرة
هامة ومحطات ومعطيات بارزة حول ما جرى في فلسطين ولبنان وسوريا واليمن وإيران، وما
زال مستمراً حتى اليوم على ساحة المنطقة. صحيح أن الصورة الكبيرة حاضرة بقوة ولا
حاجة إلى من يذكّر الناس فيها، ومعها صور انطبعت في الذاكرة الجماعية، لكن مع
الوقت تتلاشى قطع من الماضي وتضمحلّ تدريجياً ليحلّ مكانها سؤال الراهن وسطوة ما
يحدث الآن وما يرافقه من قلق المستقبل. يتعزّز ذلك انطلاقاً من مجموعة أسباب،
واحدة منها دفق الأحداث وتطوراتها المتسارعة التي لا تتوقف.
تمرين ذهني على ذلك:
ما نسبة الذين يمكنهم
أن يتذكّروا اليوم كيف انتهت الحرب (بشكلها الواسع) على غزة؟ ومتى؟ وما مدى القدرة
على استدعاء محطات وأحداث بارزة شهدتها غزة خلال المواجهة الكبرى وما حدث
بموازاتها في ساحات أخرى؟ ما أبرز النقاط التي وردت في الخطاب التاريخي لدونالد
ترامب أمام الكنيست الإسرائيلي؟ هل سبق أن أعلن بنيامين نتنياهو أو جهات إسرائيلية
نواياهم أو رغبتهم بالتطبيع مع لبنان خلال فترة الـ15 شهراً؟ أي قبل عملية
"العصف المأكول"؟
هل تحدث هذه الأسئلة
أي فارق؟
إنها مجرد أسئلة
عشوائية الغرض منها ليس تحدي الذاكرة، إنما الانطلاق من فكرة بسيطة ومجموعة
مفارقات متناثرة من أجل الوصول إلى نوعين من الاستراتيجيات التي تدير الدفق
الإعلامي الهائل والمستمر: السباق مقابل السياق.
ينسجم مفهوم السباق مع
المبادئ الليبرالية التي تحدد طبيعة عمل السوق الإعلامية وآلية الإنتاج ويحكمها
السبق الصحافي للفوز في المعلومة وتوزيعها في ظل تعطّش الجمهور لأحدث التطورات
والتماسه آخر المعلومات. في المقابل تتسق استراتيجية السياق مع السعي إلى وضع
التطورات والأحداث في نصابها في سبيل تعزيز عملية الإدراك والفهم والإحاطة الأشمل
والأوضح التي تساعد في استيعاب الأحداث.
ينحاز الإعلام الرصين
والإعلام الملتزم (بمبادئ وقضايا) بالفطرة إلى مفهوم السياق، من دون أن يؤدي تبني
هذا النهج إلى القطع بالضرورة مع الآليات الحديثة للإنتاج الإعلامي أو التعارض مع
الوصول إلى الجمهور وتوفير ما يحتاج إليه من مواد معرفية ومعلومات بالسرعة
اللازمة، في وقت تزدهر فيه مؤسسات ومنصات إعلامية عربية متصالحة مع المظلة
الامبريالية، وبعضها متناغم مع الخطاب الإسرائيلي، وتنافس على الوصول إلى جمهور
عريض متعطش للمعلومة.
هل في الأمر تنظير في
غير مكانه وزمانه؟
قد يحمل الجزء الثاني
من هذه السلسلة الجواب الحاسم على ذلك، لكن قبل ذلك لا بدّ من توضيح الفكرة.
تحدي الذاكرة والسياق
يضع الدفق الإعلامي
الاستثنائي المستمر بكثافة منذ أقل من 3 سنوات تحدياً مزدوجاً أمام الإعلام
الملتزم:
أولاً، تحدي السياق:
يعمد الإعلام الإسرائيلي ومعه الإعلامين الغربي والعربي المؤيدين لإسرائيل إلى
القطع مع الماضي، بحيث تجري عملية تفتيت السياق بصورة ماكرة. بالنسبة إلى الإعلام
المتصهين الذي يضم الإسرائيلي ومن معه في الشرق والغرب، يبدأ الحدث من مقتل مستوطن
في الضفة الغربية ويقترن ذلك بهيمنة خطاب "حق إسرائيل في الوجود" الذي
جرى زرعه وتأسيسه خطابياً في وقت سابق. لكن السياق يبرز أمراً آخر حتى لو قاربنا
الموضوع من زاوية اتفاقات أوسلو ومسار السلام مع إسرائيل: لقد جرى التصدي لمستوطن
إسرائيلي حيث لا يحق له الوجود بموجب ما وافقت عليه إسرائيل ورعته أميركا من
اتفاقات.
ينسحب هذا الأمر على
معظم التطورات والأحداث التي رافقت تأسيس إسرائيل. بالنسبة إليها وإلى من يتماهى
مع خطابها يبدأ الحدث مع عملية السابع من أكتوبر ويسقط كل ما سبق ذلك من تواريخ
وإرهاصات أدّت إلى هذه العملية. الهدف من هذا القطع مع الماضي استبعاد التسلسل
المنطقي الذي يقود إلى سؤال بديهي: كيف بدأ ذلك ولماذا؟
ينسحب هذا الأمر، كما
قد يتداعى تلقائياً إلى ذهن القارئ، على قضية المقاومة في لبنان، والجدل القديم
بنسخته المُحدّثة حول عمل المقاومة وجدواها، كما ينسحب على قضايا المنطقة وصولاً
إلى الحدث الإيراني.
ثانياً، تحدي الذاكرة:
بموازاة السعي إلى طمس الامتداد الطبيعي للحاضر باعتباره نتاجاً للماضي من خلال
تفتيت السياق، اهتمّ المشروع الصهيوني منذ البداية بمحاولة محو الذاكرة أو تشويهها
على أقل تقدير. بصرف النظر عن مقدار إخفاقه في هذا الأمر وعن مدى علاقة ذلك بما
سيرد، إلا أن الذاكرة الجماعية والفردية اليوم، تقع ومن دون قصد أو تخطيط
بالضرورة، تحت ضغط الأخبار المتواترة والكثيفة والمتسارعة والعاجلة التي لا تنقطع.
في ظل الكم الكبير من
المعلومات والأحداث والتطورات التي لا تتوقف على مدار الساعة، وفي ظل الدفق الهائل
من الرسائل الإعلامية والمنصات التي تبث وتنشر آلاف المواد، يصل العقل إلى مرحلة
من الإرهاق الذي يبدأ بتقويض سعة الذاكرة والقدرة على الاستيعاب، الأمر الذي يوفّر
بيئة مؤاتية أكثر لعمليات التضليل وأساليب الدعاية. يترافق ذلك مع مشاعر قد تتسم
أحياناً بالقلق والتوتر والخوف والترقب وغيرها من الانفعالات التي تتزامن في ذهن
المتلقي والمتابع مع عملية استقبال الأخبار، ما ينعكس على عمل الذاكرة ومعالجة
المعلومات.
أكثر ما تلحّ هذه
المسألة في أوساط الجمهور غير العربي، أو الجمهور العربي الرمادي الذي لا يصطف في
أي محور لكنه قد يتأثر بهذا الخطاب أو ذاك من دون أن ينحاز فكرياً أو استقطابياً
إلى أي جهة، رغم أن دائرة الرماديين قد تكون تعرضت للتقلّص إثر "طوفان
الأقصى" ورغم أن أثرها قد يكون محدوداُ في ظل خطورة الأحداث المصيرية التي
تمرّ فيها المنطقة.
بمعزل عن ذلك ثمة
أسئلة لا تكتمل هذه المقاربة من دونها: بعد كل ما حدث إثر "طوفان
الأقصى" وحتى اليوم، هل لا يزال أحداً في المنطقة وخارجها غافل عن جوهر ما
حدث؟ ألا يدعم التحوّل داخل الولايات المتحدة شعبياً وإعلامياً أن ما سبق لا يعدو
كونه مجرد تفصيل بالمقارنة مع تحوّلات أعمق وأكثر أهمية؟
في الأمثال المأثورة
يُتداول أن "ذاكرة الناس مثقوبة بالنسيان"، وإذا ما أزحنا جانباً مسألة
السياق، يبقى السؤال: هل من مسؤولية وسائل الإعلام أن تتحدى آليات عمل الذاكرة
التي خلقها الله بقدرة محدودة وأن تعيد التذكير بتفاصيل ومحطات تخضع في النهاية
لأمزجة واهتمامات جمهور مجزأ ومتنوع ومتعدد المشارب والدوافع والسمات؟
المسألة ليست هنا.
جوابها مؤجل إلى الجزء الثاني.
من صرف الانتباه إلى
التركيز التاريخي
مع ذلك، يبقى صحيح
القول إنه في ظل الظروف المعقدة والعقبات الذي تواجه الإعلام الملتزم، يجد الأخير
نفسه أمام تحديات تفرض عليه أن يتجاوز المنع والقيود بمختلف أنواعها وأن يراعي في
الوقت نفسه قواعد الإنتاج والتوزيع ويخدم جمهوره بالدرجة الأولى. في ظل هذه الظروف
الصعبة تَمْثُل حقيقة بديهية وغاية في البساطة:
تتجلى أولى مهام وسائل
الإعلام في مواكبة الأحداث ونقل المعلومة وتفسيرها وإعطائها معنى، كذلك الوصول إلى
متابع تكمن أبرز أولوياته في أن يعرف ماذا يحصل الآن وما الذي سيحصل غداً، أكثر من
اهتمامه بما حدث العام الماضي.
هذا المتابع، سواء كان
في إيران أو فلسطين واليمن والعراق ولبنان وسائر المنطقة، بات يعيش الأخبار
والواقع معاً، ينتقل من الواقع الرمزي على الشاشات والمنصات إلى الواقع المادي على
الأرض، يعاين الأحداث ويتنقل بين المخاطر، وكل ذلك يلامس في شكل مباشر أعماله
ويؤثر على محيطه ومنزله وعائلته، بحيث لا يبقى لديه ترف العودة إلى تتبّع التاريخ
والتفاصيل التي باتت ماضياً.
رغم أن هذا صحيح، إلا
أن الأمر يتعلق بمرحلة الإنتاج الإعلامي وبالمقاربة التي تمزج الذاكرة والسياق في
إطار عملية تقديم الأخبار. ليس التحدي بسيطاً في ظل بيئة ضاغطة يعمل في ظلها
الإعلام الملتزم، مقابل منظومة سياسية معادية ومنظومة إعلامية منافسة تعمدان إلى
افتعال الضجيج والتشويش من أجل إعاقة وصول الحقيقة إلى الرأي العام.
في هذا الإطار، نجح
الإعلام الملتزم نسبياً في إبقاء الذاكرة متقدة والسياق واضح. يتضح ذلك في
المساحات التحليلية على الشاشات وفي تغطيات الصحافة المكتوبة، وأكثر ما يتجلى على
وسائل التواصل الاجتماعي حيث تتخطى طبيعة الإنتاج الكثير من التعقيدات والعقبات
التي تواجهها إمكانات الإعلام التقليدي المحدودة.
أيضاً يعتمد هذا الأمر
في أحيان أخرى على الخطاب السياسي بقدر اعتماده على الإعلام. فالإعلام باعتباره
ناقلاً للأحداث يتعذّر عليه أن يغفل تصريحات وتدوينات الرئيس الأميركي الذي يسهم
في التشويش من خلال اعتماده سياسة الإغراق. بالدرجة نفسها من شأن تركيز الخطاب
السياسي على ثنائية الذاكرة والسياق تعويمها في الفضاء الإعلامي.
علي فواز

