بعد يوم من اتصال الرئيس إردوغان الهاتفي مع الرئيس ترامب، اتخذت إحدى محاكم أنقرة قرارها المفاجئ بإلغاء قرارات المؤتمر العام لحزب الشعب الجمهوري والذي انعقد في الـ5 من تشرين الثاني/ نوفمبر 2023 وانتخب أوزكور أوزال زعيماً للحزب بدلاً عن كمال كليجدار أوغلو الذي حكم الحزب منذ أيار/ مايو 2010 وخسر كل الانتخابات البرلمانية والرئاسية التي جرت خلال هذه الفترة.
القرار الذي أدى إلى ردود فعل شعبية وسياسية عنيفة اعتبرته الأوساط السياسية فصلاً جديداً من فصول التخلّص من أنواع المعارضة كافة وبضوء أخضر من الرئيس ترامب وتجاهل واضح من العواصم الأوروبية وأحزابها السياسية التي لم تعلق رسمياً على قرار المحكمة، وعلى الرغم من أن اوزكور أوزال هو نائب رئيس منظمة الاشتراكية الدولية ورئيسها الحالي بدرو شانتيز رئيس وزراء إسبانيا.
وجاء قرار المحكمة في أنقرة ضمن العديد من قرارات مماثلة اتخذتها محاكم عدة ضد حزب الشعب الجمهوري وزعيمه اوزكور أوزال والبعض من قياداته، إضافة إلى رؤساء البلديات، وأهمهم رئيس بلدية إسطنبول أكرم إمام أوغلو، وهو مرشح الشعب الجمهوري لانتخابات رئاسة الجمهورية المقبلة.
قرار المحكمة اعتبرته قيادات الشعب الجمهوري محاولة جديدة لتصفية الحزب الذي أسسه مصطفى كمال أتاتورك عام 1923 وأعلن بعده بعام قيام الجمهورية التركية العلمانية وألغى بعدها السلطنة والخلافة العثمانية.
في الوقت الذي لا يتردد فيه الرئيس إردوغان في إلقاء المزيد من الخطوات على طريق إحياء ذكريات هذه الخلافة وأسلمة الدولة والأمة التركية في إطار سياساته الداخلية والخارجية.
فقد دعمت أنقرة منذ ما يسمى "الربيع العربي"، كل حركات الإسلام السياسي بما فيها النصرة وزعيمها أبو محمد الجولاني، وقال الرئيس ترامب "إن الرئيس إردوغان هو الذي أوصله إلى السلطة وبدعم منه شخصياً".
القرار اكتسب أيضاً أهمية إضافية بعد أن اتهم أتباع وأنصار أوزكور أوزال زعيم الحزب السابق كمال كليجدار أوغلو بالتواطؤ مع الرئيس إردوغان ضد الديمقراطية وعمودها الفقري حزب الشعب الجمهوري.
إذ تثبت جميع استطلاعات الرأي المستقلة أن هذا الحزب سيتقدم على العدالة والتنمية إذا جرت الانتخابات هذا الأسبوع، كما سيتقدم رئيس بلدية إسطنبول المعتقل أكرم إمام أوغلو أو رئيس بلدية لأنقرة منصور ياواش على الرئيس إردوغان بفارق ما لايقل عن 6-7 نقاط في مثل هذه الانتخابات.
هذا في الوقت الذي رفضت فيه المفوضية العليا للانتخابات اعتراض آوزكور أوزال على قرار المحكمة على الرغم من أن المفوضية العليا هي التي صادقت على قرارات المؤتمر العام للحزب عام 2023 من دون اعتراض من كليجدار أوغلو أو أي جهة اخرى.
مع التذكير أن المفوضية العليا هي أعلى سلطة مختصة بشؤون الانتخابات ولا يمكن الطعن بقراراتها من أي جهة شخصية أو اعتبارية بما فيها المحكمة الدستورية العليا.
المعلومات والتصريحات المتتالية الصادرة عن آوزكور أوزال وكمال كليجدار أوغلو بل وحتى قيادات العديد من الأحزاب السياسية المختلفة، تتوقع لكليجدار أوغلو أن يعود إلى زعامة الحزب لمرحلة انتقالية يعلن فيها عن موعد لانعقاد المؤتمر العام للحزب خلال أربعين يوماً.
في الوقت الذي تتوقع فيه المعلومات لكليجدار أوغلو ألا يفعل ذلك ويقوم بتصفية كل المعارضين له داخل الحزب وبدعم مباشر أو غير مباشر من الرئيس إردوغان الذي سيستنفر كل أجهزة الدولة وأهمها المحاكم والأمن والمفوضية العليا للانتخابات لدعم كليجدار أوغلو الذي إن عاد إلى زعامة الحزب ورفض الدعوة لانعقاد المؤتمر العام، فالحزب سيشهد صراعاً داخلياً سيؤدي إلى انقسامه قبيل الانتخابات المقبلة.
كما سيمنع ذلك الحزب من الاهتمام بالقضايا الأساسية للشعب وأهمها الأزمات المالية والاقتصادية وقصص الفساد والسرقات والبطالة والجوع والإفلاس وغيره.
وتتوقع الأوساط السياسية أن يعلن الرئيس إردوغان عنها في أي لحظة ليفاجئ بذلك من تبقى من المعارضة بأشكالها كافة وحتى يتسنى له ترشيح نفسه لولاية ثالثة، وهو ما يمنعه الدستور الذي يسعى إردوغان لتغييره أيضاً.
وبعد أن يضمن دعم حزب المساومة وديمقراطية الشعوب الكردي له خلال المرحلة المقبلة بعد إخلاء سبيل زعيم حزب العمال الكردستاني عبد الله أوج آلان في إطار صفقة داخلية معه وأخرى إقليمية مع حزب الاتحاد الديمقراطي الكردستاني السوري، ومن المتوقع لقائده العسكري مظلوم عبدي أن يزور تركيا بداية الشهر المقبل بعد أن حققت واشنطن المصالحة بين عبدي والرئيس الانتقالي أحمد الشرع.
كل ذلك في الوقت الذي تتهم فيه معظم أوساط المعارضة كمال كليجدار أوغلو بالتواطؤ مع الرئيس إردوغان ضد حزبه وتذّكر بموقفه في الانتخابات الرئاسية في مايو/ أيار 2023، عندما رفض ترشيح أكرم إمام أوغلو كمنافس للرئيس إردوغان، وعلى الرغم من أن جميع استطلاعات الرأي المستقلة كانت تتوقع له أن يفوز بفارق 6-8 نقاط على الأقل.
وفي جميع الحالات، وأياً كانت التطورات اللاحقة داخل حزب الشعب الجمهوري بعد عودة كليجدار أوغلو إلى زعامته، فقد بات واضحاً أن الرئيس إردوغان سيستمر في سياساته للتخلص من جميع معارضيه لضمان بقائه هو أو أي من أفراد عائلته في السلطة إلى الأبد.
وترى قيادات حزب الشعب الجمهوري في كل هذه التطورات فقرة جديدة في مسلسل السياسات الداخلية والخارجية للرئيس إردوغان، بدعم واضح ومعلن من واشنطن.
فقد قال الرئيس ترامب أكثر من مرة إن "الرئيس إردوغان يفعل كل ما يطلبه منه لذا فهو يحبه كثيراً"، في الوقت الذي شجع فيه سفيره توم برّاك الأتراك "للعودة إلى العهد العثماني"، وبعد أن قال إن "أميركا هي التي تمنح الرئيس إردوغان الشرعية" كما "أنها تحبذ العلاقة مع الملكيات غير الديمقراطية في دول الخليج والأنظمة الاستبدادية في المنطقة".
حسني محلي

