أخر الاخبار

من الذي يصنع الأزمات في البلاد؟

 


كتب: محمد شريف

قد يختلف العراقيون على مجمل تفاصيل المشهد الكلي منذ العام 2003 حتى اليوم، إلا أنهم يتفقون على حقيقة تعاقب الأزمات التي لم تنفك على مدار ذلك الوقت، والتي عادة ما تزداد في الكم والنوع تبعًا للمراحل التي يراد لها أن تصنع منعطفات أو متغيرات لصالح من يصنع تلك الأزمات، وهنا ينبري السؤال عن هوية صانع هذه الأزمات المتعاقبة.

وقد أشرنا في مقالات عديدة إلى ما يسمى بنظرية الصدمة التي جاء بها الاقتصادي الأمريكي “ميلتون فريدمان”، وألمحنا إلى توظيف معطياتها من خلال القوانين المئة التي وضعها الحاكم المدني “بول بريمر”، وبناء على ذلك التأسيس دخل العقل الجمعي في دوامة تعاقب الأزمات، مرورًا بغيبوبة الوعي الجمعي، ثم القبول بالحلول الخارجية الجاهزة التي لم يكن يقبل بها الرأي العام من قبل، حتى باتت كل مفاتيح إدارة هذا البلد بيد صانع الأزمات، بما فيها أخطر الملفات، وفي مقدمتها ملف شكل النظام الاقتصادي للدولة وتطبيقات شروط ما يسمى بالإصلاح الذي فرضته المؤسسات الدولية التي تديرها الشركات التي تحكم العالم والتي مولت مشروع احتلال العراق والتأسيس للدولة الإبراهيمية في المنطقة.

ومن خلال آلية عمل سلسلة الأزمات بعد الصدمة الأولى التي تم فيها الانتقال إلى “اقتصاد السوق” القائم على الفوضى، يكون من الطبيعي أن تسيطر الإرادات الدولية “التي أسست للدولة الفاشلة” على المشهد، لأنها تتحكم بالأدوات وتستثمر المعطيات والتشكيلات التي توالدت على تلك الأرضية، ومنها تحالف (المفسدين السياسيين ورأس المال الطفيلي المستفيد من غياب الدولة، والإعلام المأجور)، آنذاك يمكن أن تتوالد الأزمات ضمن مفهوم “الصدمة الفرعية” تلقائيًا. ويمكن أن تولد بعملية قيصرية بحسب الضرورة. فيما يستمر الاستثمار في الفشل، إذ يتربص صانع الأزمات بمعطيات السياسات الخاطئة، ويعيد تحريكها باتجاه ولادة أزمة جديدة. واللافت في هذا الوقت تحديدًا، هي أزمات القطاع المالي التي بدأت بمحاولة فرض “عملية حذف الأصفار من العملة العراقية”، التي توالدت عنها أزمات أخرى بمساعدة الإعلام الفاسد، بوصفها مطلبًا أمريكيًا لإجبار المفسدين وسراق المال العام، على استبدال هذه الأوراق النقدية بفئات جديدة أو تجميد ثروات هذه الشبكات إذا عجزت عن إدخالها للمصارف وتبرير مصادرها، أو ما قيل بشأن إحكام السيطرة على حركة الدولار وتجفيف منابع تمويل شبكات التهريب الإقليمية.

وهذه التبريرات هي الشكل الظاهر للحقيقة، أما شكلها الجوهري فيندرج في سياق معطيات الحرب على إيران، التي فرضت واقعًا جديدًا بات يهدد المصالح الأمريكية في العراق، فكان لا بد من التعجيل بفرض الحلول الخارجية الجاهزة أو على أقل تقدير التمهيد لتطبيقها في القطاعات المالية خشية العودة إلى المربع الأول الذي تتصاعد فيه أصوات المقاومة للتواجد الأمريكي، ومن هنا كان لا بد من وضع الملامح الأخيرة للبيئة المناسبة، وكان لا بد من زيادة وتيرة الأزمات لخلق المتغيرات من جانب وزيادة فاعلية العقوبات الأمريكية على إيران من جانب آخر، حيث تمتلك وزارة الخزانة الأمريكية والبنك الفيدرالي رقابة صارمة على المنصات الإلكترونية للتحويلات المالية في العراق، وعملية حذف الأصفار ستدفع بالكتلة النقدية “المكتنزة” إلى ساحة التداول المصرفي، حينها ستكون جميع الأموال والجهات تحت الرادار الأمريكي المباشر، مما يسهل رصد أي خرق للعقوبات الدولية، ويكون التحول الكامل نحو النظام المالي الرقمي الخاضع لـ “سويفت”، حيث تضغط واشنطن لتقليل اعتماد الاقتصاد العراقي على النقد الورقي “الكاش” ليكون النظام المالي الرقمي مدعاة لتتبع أدق التفاصيل لمن يبيع ويشتري من داخل العراق وخارجه، وهنا نستطيع أن نفهم من يقف وراء هذه الأزمة التي توالدت عنها وتفاعلت معها أزمات “مصرف الطيف، سعر الصرف، وتطبيق نظام الأسيكودا في التعريفة الجمركية”، وصولًا إلى أزمة البنزين حيث ارتفاع كلفة الاستيراد وتعطل الاعتمادات المالية المخصصة لتغطية العجز الحاصل في الإنتاج المحلي.

تعليقات



حجم الخط
+
16
-
تباعد السطور
+
2
-