أخر الاخبار

حوكمة المياه في العراق: من إدارة الأزمة إلى ضرورة البقاء

 


 

تُعد المياه في العراق ثروة سيادية لا تقل أهمية عن النفط، بل أصبحت اليوم قضية وجودية تمس استقرار الدولة ومستقبلها التنموي. فإدارة الموارد المائية لم تعد خياراً سياسياً أو إدارياً، وإنما تحولت إلى شرط أساسي لبقاء العراق في مواجهة تحديات المناخ والضغوط الإقليمية. إن إنقاذ البلاد من العطش ليس مهمة مستحيلة، بل سلسلة من القرارات الواعية التي يجب أن تُتخذ الآن قبل أن تتحول الأزمة إلى مأساة لا رجعة فيها.

هندسة المرونة وإعادة تعريف الحوكمة

الواقع المائي الجديد يفرض تبني مفهوم "هندسة المرونة"، أي الانتقال من التفكير التقليدي القائم على تجنب الأخطاء، إلى القدرة على الاستمرار بكفاءة رغم وقوعها. هذا التحول يستدعي إعادة تعريف حوكمة المياه لتشمل النظام البيئي بأكمله ككائن حي متكامل، بدلاً من النظر إلى المياه كمنتج منفصل. ومن هنا تبرز القاعدة الذهبية في مواجهة الأزمات: الاستعداد للأسوأ والأمل في الأفضل، بما يضمن تقليل المخاطر وتحويلها إلى فرص للتكيف.

الدبلوماسية المائية وحقوق الأجيال

الفيضانات الأخيرة كانت جرس إنذار بأن الظواهر المناخية المتطرفة أصبحت أكثر تكراراً وقسوة. لذا فإن إدارة المياه لا يمكن أن تنفصل عن الدبلوماسية المائية العابرة للحدود. فالاتفاق السهل مع دول المنبع قد يعني تفريطاً بحقوق الأجيال القادمة، بينما التفاوض المضني على كل قطرة هو الضمان الوحيد لاستمرار الحياة. ويجب أن تُحسب أي إطلاقات مائية من دول المنبع كتعويض عادل عن الأضرار التي لحقت بالعراق، لا كمنّة أو صدقة، لسد فجوة الثقة التاريخية.

ومثلت الاتفاقية الإطارية الأخيرة مع تركيا صفقة كبرى لصالح أنقرة، حيث شرعنت مشاريعها الهيدروليكية ومنحتها امتيازات استثمارية، مقابل وعود غير مضمونة للعراق. هذا الوضع يضع العراق في الطرف الأضعف من المعادلة، ما لم تتحرك الحكومة المقبلة لتحويل مذكرات التفاهم إلى إجراءات واقعية تحمي السيادة المائية وتعيد التوازن في العلاقات الإقليمية.

ومن أبرز التحديات أن البيانات المائية ما تزال مركونة على الرفوف، بعيداً عن الاستخدام الفعلي في صناعة القرار. المطلوب هو رفع السرية عنها وتحويلها إلى دراسات علمية دقيقة، تترجم مخاطر الفيضانات والجفاف إلى مصطلحات مالية واقتصادية يفهمها صناع القرار السياسي. فالأمن المائي لا يتحقق بالشعارات، بل بالمعرفة الدقيقة والقدرة على تحويلها إلى سياسات عملية.

إن مستقبل العراق المائي يتطلب إرادة سياسية صلبة تدرك أن المياه هي شريان الحياة الذي لا يقبل المقايضة أو الحلول الترقيعية. فالحوكمة الرشيدة للمياه ليست مجرد إدارة أزمة، بل هي معركة بقاء، تتطلب العمل الجماعي، التفكير المبتكر، والدبلوماسية الحازمة لضمان حقوق الأجيال القادمة. إن رسم ملامح جديدة لمستقبل الموارد المائية في العراق هو التحدي الأكبر، لكنه أيضاً الفرصة الأهم لبناء دولة مستقرة وقادرة على مواجهة تقلبات المناخ والجغرافيا السياسية.

                                                                        

                                                                  رمضان حمزة                                                                       

تعليقات



حجم الخط
+
16
-
تباعد السطور
+
2
-