نحن لسنا بخير
مطلقاً. العالم كله ليس بخير. أمتنا في أسوأ حالاتها. لا من باب اليأس ولا
التيئيس، لكن من باب التوصيف من دون مواربة ولا مبالغة، ولكن من باب رؤية الحقيقة
بموضوعية ومن دون حجاب.
رؤية الصورة كما هي. الأخبار
العاجلة:"إسرائيل" تعتقل، "إسرائيل" تقتل ، تدمر، تنسف،
تغتال، الولايات المتحدة تهدد، تتوعد،تختطف، تسلّح، تدعم، تمنع، تمنح،
تستدعي...حتى آخر قائمة الأفعال التي تفيد الهيمنة والسيطرة والاستعلاء التي
تمارسها عصابات المافيا والإجرام. على شعوب الأرض قاطبة.
وبين كل ألف خبر وخبر، يمر خبر مختلف في نوعيته
أو في وتيرته أو...أو..
الوضع يستدعي طوفاناً عالمياً يعيد تشكيل
العالم تشكيلا ًجديداً يعيد له إنسانيته المسلوبة في مغارة الوحوش. ويمنح أطفاله
حقهم في البقاء والبهاء. لا على طريقة ترامب الذي يمتلك المغارة ومفتاحها، ويتبجح
بما يملك عبر السطو على الآخرين، على منجزاتهم وحقوقهم، جغرافيتهم وتاريخهم،
ثرواتهم وثوراتهم. يريد ترمب أن يصادر إرادة الشعوب ويغير أنظمة، ويحتجز تطوراً،
يحاصر هذا البلد ويعاقب ذاك، ينصب قواعد عسكرية هنا، ويضغط ليشتري جزيرة هناك،
وأصبحنا نعيش في كون مدين لهذا الترامب بهذه
ا"لألوهية" المتفردة، والعنجهية المتوحشة.
هذا الترامب يتصرف ضارباً عرض الحائط بكل
القوانين الدولية والشرائع السماوية. لا يردعه سوى "أخلاقه"، هكذا صرّح.
وأي أخلاق؟ أخلاقه مكشوفة على الملأ. أخلاق مجرم،لص، وقح، مدّعٍ، يرى كل الأشياء
مجرد سلع تُباع وتُشترى، وكذلك البشر.
صهيوني أكثر من هرتزل ونتنياهو وكل عتاة الحركة
الصهيونية عبر التاريخ. ينظر إلى العالم باحتقار ودونية تتفاوت في مستواها بحسب
الموقع الجغرافي شمالاً أو جنوباً، ثم بحسب اللون، أبيض أم ملون، وقبل وبعد كل
شيء، بحسب مدى قدرة الأميركي على قولبة وتشكيل هذا اللون على هوى ما يلبّي حاجته
في الخضوع والانصياع.
غني عن الذكر أن الدول الاستعمارية تاريخياً
تتسم بالعنجهية والوقاحة، إلا أن وقاحة الولايات المتحدة في الآونة الأخيرة بزعامة
ترامب غير مسبوقة، سواء كان الأمر على أراضيها تجاه المحتجين على سياستها، كما حصل
في احتجاجات مينيابولوس وإطلاق النار على المتظاهرين، أم مع الخارج: مع أعدائها
كما حدث مع فنزويلا واختطاف الزعيم الأممي نيكولاس مادورو، وتهديدها لدول القارة
الجنوبية الأخرى، أو مع حلفائها وتابعيها، كما هي الحال مع غرينلاند وكندا، أو مع
شركائها في الوساطة كما حصل مع قطر وغيرها.
ومن نافل القول التذكير بسلوكياتها وابتزازها
للدول العربية والمستضعفة بدعوى الحماية.
" إسرائيل " وحدها هي صاحبة الحظوة
لدى رجل البيت الأبيض الأوحد. تستبيح ما تشاء من أراضي الوطن العربي من دون أن
يردعها رادع، في ظل اتفاقيات هشة يلتزم بها العربي وتتنصل منها "إسرائيل" .
ففي حين التزمت المقاومة الفلسطينية في غزة
باتفاق وقف إطلاق النار، الوقف لم يتم. قلّت وتيرة القتل لكنها لم تتوقف، فعدد
الشهداء يومياً برصاص جنود الاحتلال أو المسيرات أو المدفعية يصل إلى عشرة أشخاص
تقريباً، يزيد أحياناً ويقلّ أحياناً، والمعونات ما زالت ممنوعة من الدخول أو
محتجزة على المعابر المغلقة، والخيام الممزقة والتي طيّرتها الرياح العاتية
وجرفتها السيول وفيضانات مياه الأمطار والبحر والمجاري، كل ذلك مما يستعصي على
الوصف من انعدام وسائل العيش، ولا أحد في هذا العالم قادر على أن يوقف هذا النزيف
الإنساني، وفي الجنوب اللبناني أيضاً يصعب استيعاب الوضع على الكفرة كما يُقال.
الصمت العربي المخزي ونزيف الكرامة المستمر من
دون توقف، يغذّي هذه النزعة الفاشية لدى المحتل ومن يدعمه "إسرائيل"
والولايات المتحدة. فثمة زعامة عربية كان يجب أن يحسب لها ألف حساب، لو أنها
امتلكت كرامتها وحافظت عليها كما يليق وينبغي، لكنها نصّبت نفسها أو نصّبوها
وسيطاً محايداً "لا يهش ولا ينش"،
وأخرى تتماهى مع أكذوبة العدو الذي اخترعته لها أميركا متمثلاً في إيران. و
المحصّلة، أن هذه الدول حولت أراضيها إلى قواعد عسكرية أميركية لتقصف إيران منها،
وفتحت أجواءها، ووضعت كل مقدراتها المالية والعسكرية واللوجستية في أيدي أعداء
الأمة الصهيو أميركيين.
بعض المحللين والسياسيين العرب يتماهون مع
الغايات العدوانية لأميركا و"إسرائيل"، فمن وزير خارجية عرپي يمنح الحق
مجاناً للكيان الصهيوني بالعدوان على وطنه، إلى رئيس مستعد للجلوس مع الشيطان
ومحاورته، لكنه غير مستعد للاستماع لرأي أو موقف لفصيل يقاوم الاحتلال، إلى مثقف
يحاول أن ينبش في صفحة إيران، بحثاً عن مشاكل داخلية يجد فيها مبرراً لعدوان
أميركي صهيوني عليها، وإلباس أميركا ثوباً ديمقراطياً ليس لها ولا على مقاسها.
قد يقول قائل إن التظاهرات في إيران لها
أسبابها ومبرراتها الاقتصادية، ولم تنكر الدولة ذلك واعتبرتها احتجاجات محقة. وهذا
يُحسب للدولة الإيرانية لا عليها، علماً أن أي مشكلة اقتصادية في إيران سببها
الحصار المضروب على البلاد والتهديدات المستمرة، ومع ذلك فإنها تقدم العون لكل
مقاومة شريفة في هذا الكون.
فالدول التي تحاصر إيران وتسعى إلى إضعافها
وإفقارها هي المتسبب في أي وهم قد يصيب هذا الجانب أو ذاك، وهي في الوقت نفسه
تستغل الأمر للتجييش وتجنيد العملاء ليلعبوا اللعبة القذرة نفسها.
باختصار شديد "تقتل القتيل وتمشي في
جنازته". فلا يتجاهل هذه الحقيقة أي
محلل وأي مدعٍ للجرأة والثقافة من أجل نيل رضى المستعمر.
فإيران دولة عظمى، قادرة، لها سيادتها ولها
سياستها المعادية للاستعمار وأدواته، تخشاها أميركا و "إسرائيل".
لذلك تعاديها. ولا بد من أن نذكر هنا أن
ترامب لا يحترم المتزلفين له ويحتقر الضعفاء. ولعلّ تعليقه الأخير على نائبة رئيس
الوزراء الإيطالية مؤخراً رداًَ على تبجحها بتأييدها لضم غرينلاند للولايات
المتحدة حين قال: إنها مغرورة ورائحة شعرها كريهة" خير دليل على أن من لا
يحترم نفسه ولا وطنه لن يلقى إلا الاحتقار. ولا احترام إلا للأقوياء.
لذلك نحن لسنا بخير، لسنا بخير لأننا تخلينا عن
السيادة، لسنا بخير لأننا نمتلك ثروات يغتني بها الأعداء وتُحرم منها شعوبنا، لسنا
بخير لأننا نمتلك حدوداً واسعة ولا نمتلك إرادة حمايتها والدفاع عنها؛ لسنا بخير
لأن زعماءنا يزحفون بكل نذالة سعياً لتقبيل اليد التي تصفعنا، لسنا بخير لأننا
نرضى بالذل، لسنا بخير لأن آلافاً مؤلفة من شعبنا تُباد وتجوع وتُسحق، ونحن عاجزون
عن فعل شيء، لسنا بخير لأن حكوماتنا تحاصرنا ولا تفعل شيئاً، بل تسهم في تعذيبنا
إلى جانب المحتلين. نحن لسنا بخير، لأن كثيرين منا لا يميزون بين عدو الأمة الذي
يمعن قتلاً واحتلالاً وتدميراً، وصديقها الذي يدعم ويسلّح ويموّل ويستهدفه عدونا
كما يستهدفنا.
وداد البرغوثي

