أخر الاخبار

الأمن المناخي.. مدخل لإعادة تصوّر السيادة في أفريقيا؟

 


أضحى تغيّر المناخ أحد أبرز محاور النقاش الدولي المعاصر، متجاوزاً دائرة المجال البيئي الضيق نحو البعد الأمني والاستراتيجي للدول والمجتمعات. وقد شهدت القارة الأفريقية خلال السنوات الأخيرة ميلاً ملحوظاً إلى التعاطي مع هذه المسألة الحيوية كموضوع للتفكير الأمني المرتبط بإدارة المخاطر، لا كمسألة مرتبطة حصراً بالسياسات التنموية التقليدية.

أمام هذا التحوّل، يصبح ضرورياً التساؤل عن مستقبل السيادة الأفريقية في ظل تصاعد الخطاب الدولي حول الأمن المناخي، وعن مدى قدرة الدول الأفريقية على تكييف هذا التحوّل مع طموح تعزيز استقلاليتها الاستراتيجية والتنموية.

أمننة تغيّر المناخ في أفريقيا

في جلسته العلنية حول "الرابط بين تغير المناخ والسلم والأمن في أفريقيا" المنعقدة في 19 فبراير 2026 في القاهرة، أدرج مجلس السلم والأمن الأفريقي ملف تغيّر المناخ ضمن الجدول الأمني لأعماله جنباً إلى جنب مع قضايا النزاعات الإقليمية في القارة.

اللافت في هذا الإدراج هو تعبيره عن الإدراك الأفريقي المتنامي للعلاقة بين التدهور البيئي الناجم عن التغيرات المناخية والهشاشات المجتمعية في عدد من أقاليم القارة، على نحو يتماشى مع رؤية مجلس السلم والأمن الأفريقي التي انطوى عليها البيان الختامي لاجتماعه رقم 1240 في 30 أكتوبر 2024 في أديس أبابا الذي خصّص للموقف الأفريقي المشترك حيال تغير المناخ والسلم والأمن. يومها، جرى التشديد على وجوب إدماج الشواغل المناخية في المنظومات الأفريقية للإنذار المبكر وآليات بناء السلام، مع التفكير جدياً في تطوير استراتيجيات قارية قادرة على مواجهة المخاطر البيئية ذات الصلة بالنزاعات.

إنّ أقرب مدخل تفسير يمكن اعتماده لقراءة هذا التحوّل هو مدخل "الأمننة" الذي ابتكرته مدرسة كوبنهاغن للدراسات الأمنية. فبموجب عملية الأمننة، تنقل مسألة ما من حقل السياسات الروتينية إلى دائرة التعامل الأمني الاستثنائي عبر عملية خطابية تصورها كتهديد وجودي. ووفق هذا التصوّر، فإن جعل مسألة ما تهديداً أمنياً ليس مجرّد وصف تقني، بل ممارسة خطابية-سياسية تعيد تعريف هذه المسألة وتمنح بعض الفاعلين ــ لاسيما الأمنيين ــ مساحة أوسع في التعاطي معها.

وعليه، عندما يدرَج تغيّر المناخ ضمن الخطاب الأمني داخل المؤسّسات القارية الأفريقية، فمن المرتقب أن تتغيّر طبيعة السياسات المعتمدة للتعامل معه، ويصبح حضور المقاربة الأمنية أكبر في مقابل المقاربات التنموية طويلة الأمد.

المناخ كمولّد للهشاشة المركبة: مثالا الساحل والصومال

الحقّ أنّ تغير المناخ في السياق الأفريقي هو أحد أكثر العوامل مفاقمة لمظاهر الهشاشة البنيوية داخل عدد من الأقاليم، أي تتداخل أضراره مع الأوضاع الهشة القائمة. هنا تبرز منطقة الساحل كأكثر المناطق تأثّرا بهذه التحولات، إذ تشير التقارير الدولية إلى ارتفاع درجات الحرارة فيها بوتيرة تفوق المتوسط العالمي بما يقارب 1.5 مرة. وبفعل هذا الارتفاع، وكذا تراجع التساقط المطري، تتسارع وتيرة التصحّر وتتقلص الموارد المائية مسببة ضرراً فادحاً بأنماط النشاط الاقتصادي التقليدية المرتبطة بالرعي والزراعة.

يؤدي هذا التدهور البيئي إلى ضغط أكبر على المجتمعات المحلية في فضاءات جغرافية مترابطة تتقاطع عبر حدود عدة دول، من بينها نيجيريا وتشاد والنيجر والكاميرون. وتشير بيانات اللجنة الدولية للإنقاذ في هذا السياق إلى أنّ أكثر من 16 مليون شخص في إقليم الساحل الأوسط يحتاجون إلى أشكال متعدّدة من المساعدة الإنسانية، بزيادة تقدّر بنحو 172% مقارنة بعام 2016، وهو ما يعكس اتساع دائرة الهشاشة الاجتماعية تحت وطأة التدهور البيئي وتفاقم انعكاساته الأمنية.

وغير بعيد عن الساحل، شهدت الصومال موجات جفاف متكرّرة في السنوات الأخيرة أثّرت بشدة في منظومة أمنها الغذائي، وأسهمت في تصاعد معدلات النزوح الداخلي في ظلّ استمرار الهشاشة السياسية والأمنية. فبسبب الجفاف الحاد الذي شهدته خلال 2022، سجّل ما يقارب 43 ألف حالة وفاة زائدة في الصومال، ناهيك بنزوح أكثر من 06 ملايين شخص وفق تقديرات صندوق المناخ الأخضر، ما يعكس حجم التأثيرات المركبة للتغيّرات المناخية حين تتقاطع مع ضعف البنى المؤسسية وتدهور قدرات الاستجابة الوطنية.

تغير المناخ وإعادة تصور الحدود في أفريقيا

الملاحظ أن الانتقال إلى مقاربة في التعاطي مع التغيّرات المناخية قد يعيد تعريف العلاقة بين الدولة الأفريقية ومفهوم الحدود. فمن المعلوم أن الدولة الحديثة في أفريقيا تشكلت ضمن إطار حدودي ورثته القارة عن المرحلة الاستعمارية بعد إقرار مبدأ احترام الحدود الموروثة عن الاستعمار.

غير أنّ الظواهر المناخية، والبيئية عموماً، لا تعترف بهذا الإطار الجغرافي الصارم، فالتصحر أو الجفاف أو الاحترار، وغيرها من الظواهر البيئية، كلها تنتقل عبر الصحاري غير آبهة بمفهوم الحدود. بالموازاة، تشهد منطقة الساحل توترات متكرّرة مرتبطة بالتنافس على الموارد الطبيعية والأراضي الزراعية ومصادر المياه، وخصوصاً داخل أقاليم مالي وبوركينا فاسو والنيجر، مولّدة حركة نزوح داخليّ ناهزت 1.9 مليون شخص في بوركينا فاسو وحدها مطلع عام 2024، مع تسجيل ارتفاع بنسبة 110% في الحوادث المرتبطة بالمناخ منذ عام 2019.

أمام هذا الواقع، تصبح إدارة النزاعات والمخاطر المرتبطة بالمناخ ضرورة تستلزم سياسات مشتركة عابرة للحدود، تجمع بين التنمية المستدامة والأمن المجتمعي، وتستدعي تطوير أشكال جديدة للتنسيق الإقليمي في إدارة الحدود والموارد المشتركة.

في بعض السياقات، أُنشئت آليات مشتركة لمراقبة الحركة عبر الحدود وتنظيم استغلال الموارد الطبيعية بين المجتمعات المتجاورة، غير أنّ هذه المبادرات لا تعبّر عن إعادة تعريف جماعية لمفهوم السيادة، بقدر ما تعبر عن استجابة براغماتية لمخاطر عابرة للأوطان تفوق قدرات الدول على المواجهة المنفردة. بهذا المعنى، تغدو الحدود فضاءات للتنسيق الأمني الأفريقي ومنصّات تحفز الإدارة المشتركة للمخاطر.

التمويل المناخي وأمن أفريقيا البيئي

علاوة على التنسيق الحدودي، تكتسب مسألة التمويل المناخي مكانة مركزية داخل النقاش المتعلق بالأمن البيئي في أفريقيا، فقد أصبحت الموارد المالية الموجهة لمشروعات التكيف مع التغيرات المناخية عنصراً مؤثراً في صياغة السياسات العامة داخل دول القارة.

وتشير تقديرات مبادرة السياسة المناخية إلى أن القارة الأفريقية بحاجة إلى ما يزيد على 2.8 تريليون دولار في الفترة الممتدة بين 2020 و2030 لتنفيذ مساهماتها المحددة وطنياً. وهنا، يؤدي صندوق المناخ الأخضر دوراً مهمّاً في دعم مشروعات الطاقة النظيفة وإدارة الموارد المائية وتعزيز مرونة المجتمعات المحلية في مواجهة الضغوط البيئية.

بيد أنّ الحصول على هذا التمويل غالباً ما يرتبط بالمعايير المتعلقة بالحوكمة المؤسسية والشفافية المالية والتي تمنح الشركاء الدوليين قدرة غير مباشرة على التأثير في ترتيب الأولويات التنموية داخل الدول ذات الموارد المحدودة. وتكشف بيانات تقرير مشهد التمويل المناخي في أفريقيا لعام 2024 أن الدول العشر الأكثر هشاشةً مناخيًا لا تحصل إلا على 11% من إجمالي تدفقات التمويل المناخي في القارة، فيما لا يمثل القطاع الخاص سوى 18% من مجمل هذه التدفقات. وهنا تبرز الديناميكية التي تشهدها مشاريع الطاقة المتجددة داخل جنوب أفريقيا، حيث ساهمت الشراكات الدولية في تطوير محطات الطاقة الشمسية وطاقة الرياح ضمن برامج الانتقال الطاقوي، مع مشاركة فاعلين دوليين في مراحل التخطيط والتنفيذ.

كما يلاحظ في تجارب أفريقية أخرى توظيف الخطاب المناخي ضمن استراتيجيات التفاوض الدولي لتعزيز المصالح الوطنية والإقليمية. ففي إطار المؤتمرات المرتبطة بـ"اتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن تغير المناخ" تشدّد دول أفريقية كثيرة ـــ على رأسها الجزائر ــ على مفهوم العدالة المناخية، مطالبة بتمويل دولي يتناسب مع حجم الأضرار البيئية التي لم تسهم القارة في إنتاجها تاريخياً، فأفريقيا التي تضمّ قرابة 17% من سكان العالم لا تسهم إلا بنحو 4% من الانبعاثات الكربونية العالمية. وإن كانت مفاوضات مؤتمر COP29 عام 2024 قد انتهت إلى قرار مضاعفة التمويل المناخي ثلاثة أضعاف ليبلغ 300 مليار دولار سنويًا بحلول 2035، إلا أنّ الدول الأفريقية عدّت هذا الرقم قاصراً عن تلبية احتياجاتها، وهي التي طالبت بتمويل يصل إلى 1.3 تريليون دولار سنوياً.

كما تجدر الإشارة إلى أن توظيف الأمن المناخي ضمن السياسات الوطنية قد ظهر أيضاً في تجارب تتعلق بإدارة الكوارث الطبيعية وتطوير الخطط الاستراتيجية للتنمية المستدامة. على سبيل المثال، اعتمدت عدة دول أفريقية على توصيف "التهديدات البيئية" ضمن خططها الوطنية لطلب دعم دولي لبرامج مكافحة الجفاف، كما حدث في مبادرات مكافحة الجفاف في منطقة القرن الأفريقي خلال موجات الجفاف الكبرى التي أثرت في الأمن الغذائي للسكان، إذ قدّر تقرير الأضرار والاحتياجات الصادر عام 2018 أنّ خسائر الصومال من جرّاء موجة جفاف واحدة بلغت أكثر من ثلاثة مليارات دولار، أي ما يعادل نحو 50% من ناتجها المحلي الإجمالي آنذاك.

نحو إعادة صياغة السيادة الإفريقية في ضوء التحديات المناخية

يظهر من هذا التحليل أنّ القارة الأفريقية لا تتخذ موقعاً هامشياً داخل النظام الدولي للأمن المناخي، إذ يبدو واضحاً أنّ دولها طوّرت أدوات تفاوضية تستثمر الخطاب المناخي نفسه لتحقيق مصالحها الاستراتيجية، وهو ما تعكسه مشاركاتها في صياغة المبادرات الدولية، وفي توظيف المخاطر البيئية كمدخل لتعزيز التعاون المالي والتكنولوجي مع الشركاء الدوليين.

إجمالاً، يمكن القول إنّ التغير المناخي والأمن البيئي أسهما في تشكيل نمط جديد من السيادة داخل الفضاء الأفريقي، نمط لا يقوم على التحكم المطلق في المجال الجغرافي أو على الاستقلال التام في صنع القرار، كما لا يقبل بنموذج تبعية كاملة للفاعلين الدوليين. في هذا السياق، تتخذ السيادة شكلاً تفاوضياً يتشكل عبر التفاعل المستمر بين الدول الأفريقية تحت ضغط التهديدات البيئية العابرة للحدود، ومتطلبات التمويل الدولي، والخطاب المؤطر لقضية المناخ داخل النظام العالمي.

ويبقى التحدي الأكبر أمام أفريقيا في قدرتها على تطوير آليات ذاتية لإدارة المخاطر المناخية وتعزيز التكامل الإقليمي، إذ يعاني نحو 282 مليون شخص، أي نحو 20% من سكان القارة، انعدام الأمن الغذائي، ما يجعل الاستثمار في الطاقات النظيفة، وتعزيز التمويل المحلي للمشروعات البيئية، وتطوير القدرات العلمية والبحثية، ركائز أساسية لتعزيز فاعلية استراتيجيات القارة في مواجهة التهديدات البيئية. وفي ضوء هذه التحولات، يبدو أن الأمن المناخي يعيد تشكيل مفهوم السيادة الأفريقية ضمن فضاء دولي متغيّر، مفهوم يتأسّس على التفاعل مع النظام العالمي دون التفريط في الاستقلالية في تحديد الأولويات التنموية.

إنّ مستقبل أفريقيا في مواجهة التغيّر المناخي يرتبط بقدرتها على تحويل هذا التحدي إلى فرصة لتعزيز قدرتها الذاتية على اتخاذ القرار وصياغة السياسات الاستراتيجية، بما يسمح ببناء نموذج تنموي وأمني أكثر توازناً واستدامة في العقود المقبلة.

 

                                                                    حسام حمزة

 

تعليقات



حجم الخط
+
16
-
تباعد السطور
+
2
-