من خلال مقاربة الظروف التي أحاطت بمؤتمر ميونيخ بنسختيه الأخيرتين وبظروف العلاقة بين ضفتي الأطلسي التي أعاد الرئيس الأميركي تعريفها منذ عودته إلى البيت الأبيض بداية عام 2025، يمكن القول إن المؤتمر الحالي لم يتمحور حول كيفية تعريف الأمن الأوروبي في إطار التحالف مع التاريخي مع الولايات المتحدة الأميركية، إنما في إطار وضع تعريف جديد للأهداف التي تستهدفها الولايات المتحدة في إطار علاقاتها الخارجية، أي الدفع لإعادة تعريف مفهوم الهيمنة الغربية التي سادت كفهوم حاكم للتوجهات الأوروبية ولكيفية صياغة الاتحاد الأوروبي لمفهومه الخاص للأمن الجماعي.
ورغم أن الخطاب الذي
ألقاه وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو كان أقل قسوة من خطاب نائب الرئيس جيه
دي فانس في نسخة ميونيخ 2025 وأكثر تعبيراً عن امتنان الولايات المتحدة للمسار
الأوروبي طيلة العقود الماضية، فإن خطابه لم يكن بمنزلة تخلٍ عن رؤية جي دي فانس،
إنما مجرد محاولة لتفادي إظهار عمق الخلاف بين ضفتي الاطلسي على أنه حاسم في
نتيجته كمسبب لافتراق استراتيجي.
فالأحادية الأميركية
بمفهومها الذي ساد منذ انهيار الاتحاد السوفياتي تم تسويقها على أنها عبارة عن
تحالف غربي عريض يستهدف تحقيق الأمن الجماعي كمدخل لتحقيق مصالح التحالف الأطلسي،
إذ إن الولايات المتحدة، من خلال إداراتها المتعاقبة بدءاً من بوش الأب وصولاً إلى
أوباما ومروراً بكل من كلينتون، مع الإشارة إلى حالة بوش الابن الاستثنائية في
موضوع احتلال العراق، عرفوا النظام العالمي أنه عبارة عن قيادة أميركية تشاركية مع
الاتحاد الأوروبي تقوم على توزيع الأدوار وبناء جبهة غربية متماسكة تكون قادرة على
احتواء الصين وضبط المواجهة مع القوى المنافسة، وبطبيعة الحال منع تحول أوروبا إلى
قطب مستقل قادر على طرح رؤية مستقلة بطريقة منافسة.
قد يظن البعض أن جوهر
التوجه الأميركي الذي عبر عنه ماركو روبيو قد ينحصر في دعوته لإصلاح المنظومة
الغربية وفق متطلبات المرحلة التي فرضت اختلافاً جذرياً في الرؤى بين ضفتي الأطلسي
حول السياسات الاقتصادية والهجرة والمناخ والطاقة والحدود والدفاع دون أن ننسى
المنظمات الدولية، لكن القراءة المعمقة لخطابه، معطوفةً على استراتيجية الأمن القومي
الأخيرة، تؤكد أن الهدف النهائي لا يخرج
إطار تفكيك هذه المنظومة ومحاولة بنائها بطريقة تناسب التوجهات الأميركية
الجديدة، وبما يؤكد أنها لا تتناسب أبداً مع المسار المعروف لتوجهات الاتحاد بين
الدول الأوروبية.
إذا كان المنطق
الأميركي يفترض البحث عن أوروبا قوية وإعادة تعريف رؤيتها للأمن والمناخ والسيادة
والحدود، فإن التوجه الأميركي لتعزيز الروابط مع الأحزاب الوطنية في أوروبا وإلقاء
اللوم على الليبراليين في أوروبا واتهامهم بتسريع انهيار أوروبا حضارياً
واقتصادياً، وبالتالي سياسياً، لا يدل على قناعة أميركية بجدوى تطوير الاتحاد
الأوروبي ككيان متماسك ذي سيادة متفوقة على سيادة دوله. بطبيعة الحال، يؤكد الشعار
الذي يردده ترامب دائماً "أميركا أولاً" يعني البحث عن نظام دولي يضمن المصالح
الأميركية الضيقة أولاً، ويطرح إمكانية تفضيل الولايات المتحدة لقيام نظام تحكمه
الصفقات الظرفية، وتسود فيه المصالح الخاصة، وتهيمن فيه معايير القوة على حساب
القواعد والمبادئ الذي نشأت الاستراتيجية الاتحادية الأوروبية في ظلها منذ زمن
الحرب الباردة.
لقد أظهر مؤتمر ميونيخ
عمق الانقسام الحاد بين ضفتي الأطلسي رغم التصفيق الحار الذي رافق خطاب ماركو
روبيو، فالرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون لم يتردد عن حث الأوروبيين على الاعتزاز
بالنفس، وأكد أن أوروبا ستضع بنفسها ملامح أمنها المستقل، كما أعلن أن فرنسا بصدد
عقد مشاورات نووية استراتيجية مع الحلفاء، وألمح إلى نيته استبعاد ترامب عن
المفاوضات مع روسيا، إذ إن الأوروبيين وحدهم هم الذين يعيشون على جانب روسيا.
وإذا قاطعنا ما صرح به
ماكرون مع ما أعلنته مسؤولة السياسة الخارجية الأوروبية كايا كالاس من أن الحضارة
الغربية ليست بحاجة إلى الإنقاذ وما قالته أورسولا فوندرلاين من أن الوقت حان
لإحياء بند الدفاع الأوروبي المشترك وفقاً للمادة 42 من معاهدة الاتحاد الأوروبي،
فإن ذلك سيكشف أن الهوة بين الحليفين الأوروبي والأميركي لا تؤشر إلى وجود إمكانية
لردمها، وأن الواقع الذي تفرضه الولايات المتحدة ليس إلا ناقوس خطر بدأ الاتحاد
الاوروبي يتجاوب معه بطريقة جدية.
الواقع الحالي الذي
عبر عنه قادة أوروبا لا يدلل على تجاوب مع التوجه الأميركي، إنما يمكن تصنيفه في
إطار خطة مضادة قد تنسف في حال نجاحها أطر التحالف التقليدي بين الحليفين. ورغم
عدم اليقين من إمكانية نجاح أوروبا في بلورة توجهاتها على أرض الواقع بشكل سريع
ومباشر نتيجة العجز البنيوي الذي يعتري جوهر التحالف الأوروبي ونتيجة استمرار
التمسك بحلف الأطلسي كإطار حاكم للتوجهات الأمنية الأوروبية، مع الإشارة هنا إلى
معرفة أوروبا بخضوع الحلف بنيوياً وعلى مستوى القرار للولايات المتحدة، فإن من
نتائج هذا الواقع سقوط فرضية التحالف المتكامل وفق المفهوم الذي كنا قد اعتدناه
تاريخياً.
الواضح اليوم أن
الرؤية الأميركية الحالية لا تعني التخلي عن القيادة أو الهيمنة، إنما إعادة توزيع
الوظائف، وكذلك إعادة صياغة التكتل الأوروبي بطريقة تناسبها، وحتماً بطريقة تظهر
حقيقة تصنيفها للقوى الأوروبية على أنها ليست كياناً شريكاً بطريقة ندية، إنما
مجرد أدوات يمكن تعديل تركيبتها ووظيفتها متى كان ذلك ضرورياً.
وبالتالي، فإذا نجحت
القوى الأوروبية في ترتيب واقع علاقاتها مع الصين، التي تشدد دائماً على أنها ترى
أوروبا شريكاً وليس خصماً، وإدارة ملف سلاسل التوريد معها بطريقة تتخطى رؤية
اعتبارها خطراً يتهدد مصير الاتحاد كقوة مستقلة، بالتوازي مع تنظيم واقعها الأمني
بطريقة مستقلة تجعل مظلتها الردعية أو الدفاعية أوروبية خالصة متحررة من المظلة
الأميركية، مع الإشارة إلى ما يتطلبه الأمن الأوروبي من إعادة تقييم واقع العلاقة
مع روسيا وتخطي إشكالية التوتر على حدود القارة في أوكرانيا بالتوازي مع إعادة
الاعتبار للتكامل الاقتصادي والطاقوي الذي سعت إليه مع روسيا قبل الأزمة
الأوكرانية، والذي كان يتجسد بنورد ستريم والإمدادات الروسية للطاقة إلى أوروبا،
فإن ذلك سيترك أثراً عميقاً في المشروع الأحادي الأميركي.
وما يمكن اعتباره من
المسلمات أن القارة الأوروبية شكلت تاريخياً رأس حربة الأحادية الأميركية في
مواجهة روسيا والصين، وفي التحكم في الشرق الأوسط ودول جنوب المتوسط. وبالتالي،
فإن أي خطوة دراماتيكية أوروبية في هذا الإطار ستؤدي حكماً إلى المساعدة في طي
صفحة الأحادية الأميركية بشكلها التقليدي وبعنوانها الترامبي المستند إلى القوة
ورفض الالتزام بقواعد النظام الدولي.
وسام إسماعيل

