لم تباشر اللجنة الوطنية الفلسطينية لإدارة غزة عملها حتى الآن في غزة، رغم الإعلان عن تشكيلها قبل نحو أسبوعين، ولم تسمح لها قوات الاحتلال الإسرائيلي دخول غزة عبر معبر رفح، الذي تم فتحه لعدد محدود جداً من الأفراد، لم يتخطّ العشرات، وتواصلت عمليات القتل والعدوان وتدمير المنازل بل وتصاعدت وتيرتها.
ممارسات الحكومة
الإسرائيلية عبر عرقلة تولي اللجنة الفلسطينية عملها، وممارسة مهامها داخل غزة،
وبقاء معبر رفح شبه مغلق، وتصاعد العدوان، لا يدع مجالاً للشك، بأن المرحلة
الثانية من إتفاق غزة، بعد أن شهدت ولادة عسيرة ومشوهة، باتت هشة، ويعتريها الشك
وانعدام اليقين في ضوء سلوك الاحتلال، الذي لا يريد لها أن تبدأ .
سعت حكومة بنيامين
نتنياهو لالقاء الكرة في ملعب الطرف الفلسطيني، عبر الادعاء بأن "حماس"
لن تسلم الحكم للإدارة الجديدة، ولن تمكنها من عملها، بيد أن الإعلان الفلسطيني
الواضح والاستعداد بخطوات إدارية وفنية لتسليم لجنة التكنوقراط كافة مفاصل العمل
الحكومي بغزة، أجهض الادعاءات الإسرائيلية، الأمر الذي دفع الأخيرة لاستخدام أدوات
التصعيد عبر العدوان وتشديد إجراءات حركة الأفراد المحدودة جداً عبر معبر رفح ومنع
اللجنة الفلسطينية من دخول غزة.
إن الاستعدادات
للاستلام والتسليم في غزة، كانت تجري بسلاسة بشهادة الطرف المصري الوسيط، وبشهادة
ممثلون عن الأمم المتحدة وغيرهم من ممثلي المجتمع المدني الفلسطيني، وكان يُعتقد
أن تتمكن لجنة التكنوقراط من دخلول غزة قبل أيام، وباشرت باستلام مفاصل العمل
الحكومي، وبدأت في تنفيذ خططها تجاه غزة المنكوبة بفعل حرب الابادة الإسرائيلية
عليها التي استمرت لأكثر من عامين،
لكن ما حدث أن اللجنة
لم تصل، بعد ولم تمارس عملها، وليس من الواضح أنها ستصل قريباً في الأمد المنظور.
بالإضافة للعامل
الإسرائيلي المعرقل لدخول اللجنة، ظهرت عوامل أخرى، منها طبيعة العلاقة التي تتصل
بمرجعيتها التي نص عليها القرار الأممي والمعروف بمجلس السلام، والذي يستمع أكثر للمعايير الإسرائيلية ويستجيب
لها، ما يشكل ضغطاً على اللجنة وتوجهاتها الرامية للاستجابة لاحتياجات غزة وتسعى
للحفاظ على صورتها الوطنية، كي لا تبدو في نظر الفلسطينيين بأنها مجرد أداة
تنفيذية في يد جهات خارجية بما فيها "إسرائيل ".
الحكومة الإسرائيلية
اعترضت حتى على شعار اللجنة الذي يرمز للنسر المشابه لشعار السلطة الفلسطينية،
وانتقدت تصريحات رئيس اللجنة على شعث لمجرد إدانته قتل المدنيين الفلسطينيين في
غزة، ما يشير بأن آخر ما تريده الحكومية الإسرائيلية نجاح اللجنة، الأمر الذي
انعكس على دافعية ورغبة أعضاء اللجنة في المضي قدماً في مهامها، حتى ولو لم تعبّر
اللجنة بصراحة عن امتعاضها من السلوك الاسرائيلي ومختلف الأطراف تجاهها قبل أن
تباشر باستلام الملفات الحكومية رسمياً من الهيئات الإدارية القائمة في غزة.
الواقع الإداري في غزة
يحتاج لعملية سلسة ومهنية في عملية الاستلام والتسليم، للملفات المختلفة كافة
وكرزمة واحدة، وليس بشكل انتقائي، بيد أن توجهات اللجنة لا تشير إلى هذا المنحى،
بفعل ضغوط خارجية وإسرائيية بشكل رئيسي، إلى جانب حسابات داخلية، الأمر الذي سيعقد
المشهد المعقد أصلاً، فعندما تستعد اللجنة لاستلام قطاع حكومي وترحل قطاع آخر أو
لا تقبل تسلمه، وعندما لا تبدي اللجنة استعداداً لمعالجة حقوق الموظفين المالية،
وهم على رأس عملهم، والذي يصل عددهم نحو 50 ألف موظف، فهذا لا ينسجم مع أبجديات
العمل الإداري المهني للجنة مسماها لجنة تكنوقراط مهنية، ما يفرض عليها أن تتمسك
بإرادة واضحة في معالجة كافة الملفات حزمة واحدة دون انتقاص حقوق من عمل في أصعب
وأحلك الظروف الميدانية، بعيداً عن الحسابات السياسية، وتحديداً إذا كانت مرتبطة
بضغط إسرائيلي مباشر أو عبر مجلس السلام أو من خلال جهات أخرى، لا ترى في نجاح
اللجنة مصلحة لها.
لقد لعب الطرف المصري
دوراً بارزاً قي الإعداد المنظم لعملية الاستلام والتسليم على قاعدة الشمول وعدم
التجزئة للملفات، حتى لا يتسبب الفراغ في تدهور الأوضاع المتدهورة أصلاً في غزة.
إن الضغوط والعراقيل
التي تعترض عمل اللجنة، لا تهدد عمل
اللجنة وحسب، بل تهدد استكمال ملفات المرحلة الثانية برمتها، وهو ما تسعى له حكومة
نتنياهو التي مضت في مسار المرحلة الثانيه على غير رغبتها وسعت منذ اللحظة الأولى
ولا زالت لاجهاض الاتفاق من أجل كسر كافة القيود التي تكبح عدوانها المستمر على
غزة والتحكم فيه أمنياً واقتصادياً ،حتى لو كانت القيود محدودة وغير مؤثرة.
إن سكوت الوسطاء
والطرف المصري تحديداً لا يعكس رضى عن تأخر دخول اللجنة لغزة، بيد أنه يؤكد غضب
القاهرة من سلوك الاحتلال دون أن تعبر عنه صراحة، ما يعكس رغبتها في اتباع مسار
الدبلوماسية الهادئة حتى لا تدفع حكومة نتنياهو لتستغل الموقف في رفع مستوى التوتر
وتحميل مصر المسؤولية.
إن مجلس السلام برئاسة
دونالد ترمب ومن خلفه نتنياهو لا يريد أن تمتلك اللجنة الفلسطينية صلاحيات فعلية
وقدرة على رسم السياسات واتخاذ القرارات، ويريدها منزوعة الدسم ولا تملك أدوات
تمكينها، حتى تبقى ضعيفة وتابعة ومجرد أداة تنفيذية يحركها مجلس ترمب ، كما أن
اللجنة حتى تاريخه لا يوجد لها موازنة أو صندوق مالي، ما يعكس هشاشة تامة في مختلف
الأبعاد الإدارية والمالية وحتى اللوجستية.
لم تنجح حكومة نتنياهو
في إقناع أحد أن الطرف الفلسطيني هو السبب في تعثر عمل لجنة التكنوقراط حتى الآن
وشهدت مختلف الأطراف بأنه لا توجد عقبات حقيقية من الطرف الفلسطيني في غزة في
عملية التسليم، فالجهات الإدارية في غزة تؤكد أنها تعتزم تسليم كل الملفات
الحكومية رزمة واحدة، وستُسهّل كل ما يؤدي إلى إنجاح تجربة لجنة التكنوقراط، بل
ستعمل على تمكينها من أداء وظائفها من أجل رفع المعاناة عن كاهل الشعب الفلسطيني
في غزة وإغاثته وتحسين الواقع الإنساني وإعادة الإعمار، وتؤكد مصادر مقربة من
الجهات الحكومية القائمة في غزة أنها أعدت كافة الأوراق والملفات وقوائم الموظفين
وما تبقى من مقرات ومكاتب من أجل تسليمها بشكل سلس لحكومة التكنوقراط، بيد أن
العراقيل الإسرائيلية حالت دون إتمام العملية، ما يضع مزيد من علامات الاستفهام
حول مستقبل عمل اللجنة وكيفية أداء مهامها.
وسام أبو شمالة

