خلال لقائه بهم يوم 17 يناير/ كانون الثاني، هدد توم برّاك مظلوم عبدي بحضور الزعيم الكردي العراقي مسعود البارزاني، وقال له "إذا لم تضع ميليشياتك في خدمة المخططات والمشاريع الصهيو-أميركية ضد العراق وإيران، فإننا سنتخلى عن دعمكم".
وعندما رفض عبدي هذا
التهديد،أعطى برّاك الضوء الأخضر لما يسمى بالجيش السوري للتوغل شرق الفرات وطرد
قوات مظلوم عبدي التي اضطرت إلى الانسحاب من مناطق واسعة كانت تسيطر عليها، ومنها
دير الزور والرقة وكان في جوارها العديد من معتقلات "داعش".
ودفع ذلك واشنطن إلى
نقل معتقلي "داعش" الذين كانوا في هذه المعتقلات (وهرب البعض منهم )
وعددهم نحو عشرة آلاف إلى الداخل العراقي، ومن دون إذن من بغداد التي هددها ترامب
إذا انتخبت نوري المالكي رئيساً للوزراء. ومع استمرار التهديدات الأميركية بواسطة مسعود البارزاني الذي كان على تواصل هاتفي دائم مع أحمد الشرع،
عاد ووقّع مظلوم عبدي على اتفاق 28 يناير/ كانون الثاني ليحل محل اتفاق 10 مارس/
آذار واكتفى من خلاله بالحسكة والقامشلي وجوارها مع استمرار الضغوط الأميركية عليه.
وجاءت الجولة التي قام
بها توم برّاك طيلة الأسبوع الماضي إلى أربيل والسليمانية ولقاءاته المكثفة في
أربيل مع مسعود البارزاني ورئيس إقليم كردستان العراق ناتشيرفان البارزاني ثم في
السليمانية مع رئيس الاتحاد الوطني الكردستاني بافل الطالباني وشقيقه كوبات
الطالباني (نائب رئيس الوزراء في حكومة أربيل ) وبحضور مظلوم عبدي لتثبت ما قيل عن
مساعي واشنطن لإقناع أو إجبار الكرد على العمل معها ضد إيران.
وهو ما صادف تحركات
عسكرية واستخبارية أميركية وإسرائيلية كبيرة جداً في الشمال العراقي وعلى طول
الحدود مع إيران، حيث يقوم الطيران الأميركي بقصف الوجود العسكري الإيراني في
منطقة كردستان إيران؛ تمهيداً لاجتياحها من قبل القوات الكردية العراقية والسورية
والتركية، باعتبار أن "وحدات حماية الشعب الكردية" في سوريا هي امتداد
لحزب العمل الكردستاني التركي.
ومع التذكير بدور
المخابرات الأميركية والصهيونية في توحيد الفصائل الكردية الإيرانية الخمسة ووجود
مقارها في المناطق الكردية العراقية، تحدثت المعلومات عن اتصال هاتفي أجراه الرئيس
ترامب مع مسعود البارزاني وبافل الطالباني وأكد لهما ضرورة العمل المشترك ضد إيران.
ودفعت هذه المعطيات
الكثيرين إلى المراهنة على احتمالات الرد
الكردي العراقي أولاً ثم السوري والتركي على مطالب بل تعليمات وأوامر واشنطن ومن
خلفها "تل أبيب"، التي تعقد آمالاً كبيرة على الدور الكردي في الحسابات
العسكرية الأميركية- الإسرائيلية البرية ضد إيران، إذ إنها تملك ما لا يقل عن 200
ألف من البشمركة المسلحة تسليحاّ أميركياً وإسرائيلياً.
وفي حديثه لقناة
رووداو الكردية العراقية، قال السفير الأميركي الأسبق في بغداد زالماي خليل زاد
وهو من مهندسي الاحتلال الأميركي للعراق وأفغانستان "إذا كانت أميركا لا ترغب
في إرسال قوات برية كبيرة إلى إيران فإن
الاعتماد على القوات المحلية مثل الكرد، من خلال دعمهم جوياً، سيكون خياراً قوياً
وإن ذلك سيكون فرصة تاريخيّة بالنسبة للإيرانيين
والكرد خاصة للوصول إلى التغيير
الذي ينشدونه، ولأن هذه الفرصة لن تتكرر في المستقبل القريب، ويتعين عليهم التعامل
مع هذه اللحظة بخطط مدروسة وحذر بالغ لأن هناك مخاطر جمًة ".
ومع التذكير بأن
واشنطن تحالفت مع شاه إيران للقضاء على جمهورية مهاباد الكردية في إيران عام 1946
وتخليها عن دعم الزعيم الكردي العراقي الملا مصطفى البرزاني عندما وقع صدام حسين
مع شاه إيران على اتفاق الجزائر عام 1975 ومنعها مسعود مصطفى البارزاني من إعلان
الاستقلال في استفتاء 2017 ثم اختطافها زعيم حزب العمال الكردستاني التركي عبد الله اوج الان من
كينيا وتسليمه لأنقرة في شباط فبراير
1999، يشهد الشارع الكردي عموما نقاشا
واسعا على كافة الأصعدة السياسية والشعبية والاعلامية التي تتساءل فيما بينها فيما إذا سيستخلص القادة الكرد
الدروس اللازمة من تجارب الماضي أم لا.
فقد أثبت التاريخ
برمته منذ اتفاق سيفر 1920 أن من خان
الكرد وطعنهم دائماّ هو الغرب الإمبريالي
وقبل أن يعانوا من حكام الدول التي يتواجدون فيها والذين كانوا في معظم الأوقات بعلم أو بدونه في خدمة أجندات
الدول والقوى الإمبريالية والصهيونية.
ومع أن الرأي السائد
في أربيل والسليمانية هو احتمالات التعاون الكردي مع واشنطن وتل أبيب بعد حصول
القادة الكرد على ضمانات مطلقة بإسقاط النظام في طهران مقابل تعهدات واضحة ومكتوبة
بإقامة الدولة الكردية التاريخية، لم تتأخر
طهران وأنقرة في التواصل مع القيادات الكردية التي اتصل بها هاكان فيدان وعباس
عراقتشي وحذرا هذه القيادات من مغبة أي تورط كردي في أي مخطط أمريكي - صهيوني
طالما أن مثل هذا التورط سيجر المنطقة برمتها إلى حرب قومية طاحنة تدمر الجميع إذ
سيكون هدفها التالي بعد العراق وإيران هو تركيا وفق تصريحات العديد من المسؤولين
الصهاينة وكان آخرهم رئيس الوزراء السابق بنيت.
وهو ما أشار إليه زعيم
حزب الحركة القومية دولت باخشالي شريك إردوغان عندنا أكد على "ضرورة التضامن
مع إيران في مواجهتها للعدوان الأميركي الإمبريالي والصهيوني الإسرائيلي الذي
سيستهدف تركيا أيضاً". ومع انتظار موقف البارزاني والطالباني وعبدي تستمر
إيران في استهداف القواعد والمواقع الأميركية والإسرائيلية العسكرية منها
والاستخباراتية ومعها مراكز المجموعات الكردية الإيرانية تتحدث المعلومات عن
احتمالات أن تقوم واشنطن بتسليح بقايا
داعش المتواجدة في معسكرات أميركية جنوب الموصل ودعمها بمجموعات مماثلة من الجيش
السوري الجديد ودفعها للقتال ضد الحشد
الشعبي في العراق من جهة والكرد في سوريا
والعراق من جهة أخرى في حال رفضهم الانضمام إلى التحالف الصهيو-أمريكي ضد إيران.
وبالتذكير بالخلافات
التقليدية بين كل الأطراف الكردية العراقية وبشكل خاص عائلتي البارزاني والطالباني بل وحتى بين كل الأطراف
الكردية الإيرانية والسورية يبدو واضحاً أن تلبية المطالب الأميركية والاسرائيلية
لن يكن سهلاً على الكرد عموماً مع استمرار الأزمات الاقتصادية والاجتماعية الصعبة
التي يعيشها الكرد عموماّ بسبب أحاديث الفساد الخطيرة في أربيل والسليمانية مع
استمرار الخلافات بين أربيل وبغداد التي تتأخر في إرسال مستحقات الكيان الكردي
الفدرالي الذي لا يدفع المعاشات منذ أكثر
من عام.
وفي نهاية المطاف يبقى
الرهان على ذاكرة الشعب الكردي برمته خاصة بعد الطعنة التي تلقوها في سوريا من
الأميركان الذين رجحوا عليهم النصرة
"السنية" الإرهابية التي تجاهلت احتلال الجنوب السوري. ويسعى الأميركان
الآن لجر الكرد عموماً إلى مغامرة أخطر
وهذه المرة ضد إيران "الشيعية" التي لولاها عام 2014 كان الدواعش قد دخلوا أربيل التي تريد واشنطن لها ولكل الكرد ان يكونوا جنباّ إلى جنب
مع بقايا داعش الذين أوصلهم ترامب إلى السلطة في دمشق (والقول له) ليكونوا في خدمته وخدمة المجرم
نتنياهو الذي تصول وتجول قواته في الجنوب
السوري وتقتل الشعب اللبناني.
وبعد أن نسي الكرد
أنهم أحفاد صلاح الدين وغطس الكثير من أشقائهم العرب في مستنقعات التواطئ والعمالة
التي تفتح شهية الاخرين في المنطقة التي بات واضحاً أنها وبكل طوائفها تحتاج لوقفة
إنسانية وقبل أن تكون قومية أو طائفية تمنع الانهيار التام وتحقق الإخاء الصادق
والمطلق بين العرب والفرس والترك.
وعليهم جميعاّ أن
يقبلوا بأن سياساتهم السابقة والحالية كانت العامل الأهم في كل ما عانى منه الكرد
وحان الوقت للاعتراف لهم بكامل حقوقهم ولكن أولا بعد أن ينهوا خلافاتهم الكردية -
الكردية العميقة وثانياً أن يستخلصوا الدروس من تجارب الماضي القريب والبعيد
ويرفضوا أن يكونوا مرتزقة للآخرين ولأن
الغرب الامبريالي والصهيوني كان ومازال وسيبقى إلى الابد السبب الرئيسي لكل ما
عانوا ويعانون منه الان ومستقبلاّ.
حسني محلي

