مضت الأيام الأولى من اندلاع الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران، والصورة تبدو أبعد ما تكون عن ضربة خاطفة تنهي المشهد خلال ساعات أو أيام كما تمّ التخطيط المسبق له، وما يتكشّف تدريجياً في مسار الحرب أنها مواجهة مركّبة تتداخل فيها الحسابات العسكرية بالرهانات والتقديرات السياسية، وتتصارع فيه السرديات بقدر ما تتواجه الصواريخ في ساحة المواجهة.
لم تكن الضربة
الإسرائيلية الأميركية المباغتة لإيران حدثاً عسكرياً عابراً في سياق مواجهة ممتدة
وطويلة، بل شكّلت لحظة مفصلية أعادت رسم إيقاع المواجهة وحدودها في الشرق الأوسط.
صحيح أنّ الضربة
الأولى، وفق الرؤية الأميركية الإسرائيلية، حقّقت أهدافاً واغتيالات، لكنها لم
تُسقط النظام في إيران بسرعة، ولم تُحدث تحوّلاً استراتيجياً حاسماً في بنية القوة
الإيرانية، كما لم تفرض معادلة ردع نهائية تغيّر الواقع كما أرادتها "إسرائيل"
والإدارة الأميركية.
تبدو الحرب مرشّحة
للدخول في مرحلة أشدّ تعقيداً، إذ إنها تسير من الضربة الخاطفة إلى حرب الاستنزاف
المتدرّج، فقد استطاعت إيران امتصاص الصدمة الأولى، وإعادة تنظيم صفوفها بسرعة،
وتحويل المعركة إلى صراع طويل النفس، كلّها مؤشّرات تدلّل على جاهزية استراتيجية
سابقة لا ارتجال ظرفيّ طارئ.
هذا الأداء حرم
"إسرائيل" وأميركا من استثمار عنصر المفاجأة أو البناء عليه، وأسقط رهان
الانهيار السريع، ونقل المعركة من مسار الضربة القاضية إلى مسار النَفَس الطويل.
هناك قاعدة استراتيجية
معروفة في الحروب تقول إنه في حروب الإرادات كما هو الحال مع إيران، عندما تكون
القدرة على الثبات بعد الضربة الأولى لا تقلّ أهمية عن القدرة على إطلاقها، بل
تكون هي الفارق الحاسم في ترجيح كفّة الصمود والقدرة على الاستمرار في المواجهة.
معروف أنّ إيران بنت
خلال العقود الماضية منظومة ردع متعدّدة لا تعتمد على سلاح واحد أو جبهة واحدة،
سواء في قدراتها الصاروخية، بما فيها الصواريخ فرط صوتية، لم تُستنزف بعد بصورة
كاملة، بل تشير المجريات إلى أنها تعمّدت في المرحلة الأولى من الردّ في استخدام
أدوات أقلّ كلفة استراتيجية، مثل الصواريخ الباليستية والمسيّرات، بهدف اختبار
منظومة الدفاع الأميركية الإسرائيلية واستنزافها تدريجيّاً، وهي حسابات تدلل على
وجود سيطرة وجاهزية و إدارة دقيقة للموارد العسكرية بحكمة واقتدار.
في قراءة للمسار
الاستراتيجي للحرب الدائرة بين واشنطن و"إسرائيل" وإيران، يمكن الجزم
بأنّ الجولة الأولى لم تسر وفق ما خطّطت له واشنطن و"تل أبيب"، وظهرت
حالة من الارتباك والتخبّط في أداء إدارة الرئيس دونالد ترامب، وكأنّ الضربة
الأولى لم تتبعها رؤية واضحة تشير إلى وجود استراتيجية معيّنة للخطوة التالية.
في العلوم السياسية،
ثمّة قاعدة تقول إنّ الحروب الكبرى لا يكفي فيها التفوّق العسكري أو الناري
الميداني إذا غابت الخطة السياسية لما بعد الضربة، وهذا ما حدث في الضربة المفاجئة
لإيران، إذ راهنت "إسرائيل" والإدارة الأميركية على خطوات لاحقة تُحدث
إرباكاً داخلياً في إيران وفوضى تقود إلى تغيير أو إسقاط النظام بسرعة.
وثمّة رهان آخر يؤكّد
حجم الإخفاق الأميركي إزاء الضربة الأولى، يتمثّل في فشل تكرار سيناريو اختطاف
الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو عبر عملية نوعية تؤدّي إلى انهيار النظام سريعاً
أو إلى انقلاب داخلي مدعوم خارجياً، غير أنّ المقارنة هنا ربما تكون مختلفة إلى
حدّ ما، فإيران تمتلك بنية أيديولوجية ومؤسساتية وأمنية أكثر رسوخاً من النموذج
الفنزويلي، إضافة إلى شبكة تحالفات داخلية وخارجية تجعل فرضيّة الانهيار السريع
أقرب إلى التمنّي السياسي الأميركي الإسرائيلي منها إلى التقدير الواقعي.
مُنيت واشنطن، ومعها
حليفتها "إسرائيل"، بهزيمة مبكرة في معركة السردية الإعلامية العالمية،
فقد تبدّلت أهداف الحرب بسرعة من تغيير النظام إلى وقف البرنامج النووي، وتحجيم
برنامج الصواريخ الباليستية، والقضاء على الأذرع الإقليمية لإيران في المنطقة، هذا
التذبذب أربك الرأي العامّ الأميركي وأفقد الخطاب الرسمي تماسكه ومصداقيّته، ولا
سيما أنّ الإعلام والرأي العامّ باتا جزءاً لا يتجزّأ من الحروب الحديثة، إذ لا
يمكن في أيّ حرب وقعت كسب مواجهة طويلة من دون رواية واضحة ومقنعة، حتى لو كانت
منحازة أو انتقائية.
تزامن هذا التخبّط مع
تنامي قناعة داخل قطاعات في الولايات المتحدة بأنّ الحرب تخدم بالدرجة الأولى
أولويات "إسرائيل"، ولا تخدم الإدارة الأميركية بشكل مباشر، وقد عزّز
هذا الانطباع تصاعد الانتقادات في الإعلام الأميركي بشكل لافت، والذي تحدّث صراحة
وبوضوح عن فجوة بين البيت الأبيض وقاعدته الجماهيرية في أميركا، وحين يفقد القرار
العسكري غطاءه السياسي الداخلي والالتفاف الشعبي حوله، يتحوّل إلى عبء مهما بلغت
قوته النارية العسكرية.
إقليمياً، برزت مخاوف
متزايدة طيلة الأيام الأولى من الحرب من أن تؤدّي الحرب إلى زعزعة الأوضاع في دول
الخليج عبر استهداف القواعد الأميركية والمنشآت النفطية ومرافق الطاقة، بما قد
يجرّ المنطقة إلى مواجهة مفتوحة، وقد اكتشفت بعض دول الخليج التي تستضيف قواعد
أميركية على أراضيها رغم إمكاناتها المالية الكبيرة، هشاشة وضعها الاستراتيجي
والأمني في ظلّ اعتماد مفرط على المظلة الأميركية في الحماية، في لحظة تحوّلت فيها
القواعد العسكرية الأميركية إلى أهداف أولوية لإيران.
في المقابل، أظهرت
إيران تماسكاً لافتاً في الأيام الأولى من الحرب، فلم يحدث الانهيار المتوقّع، ولم
تتفكّك مؤسسات الدولة في طهران، بل بدا أنّ طهران استعدّت لسيناريو المواجهة منذ
زمن، وأدارت إيقاع التصعيد بقدر عال من الانضباط، ما منحها صورة القوي القادر على
تجاوز المحنة بسرعة ورسّخ صورة الدولة القادرة على الصمود والتحدّي والمواجهة.
ومع احتمال إطالة أمد
الحرب، ترتفع الكلفة الاقتصادية والعسكرية على الولايات المتحدة وحليفتها
"إسرائيل"، فاستمرار الصراع يعني استنزافاً مفتوحاً قد يفتح الباب أمام
انخراط قوى دولية أخرى في المواجهة، بما يحوّلها من مواجهة إقليمية إلى ساحة تنافس
دولي أوسع في عالم متوتر أصلاً.
يبقى السؤال هنا،، من
سينهي الحرب وكيف ستنتهي؟ الخيارات جميعها محفوفة بالمخاطر، فالتدخّل البري يعني
استنزافاً طويل الأمد وهذا سيناريو مكلف لإدارة ترامب لا تريده، والتصعيد الأكبر
قد يقود إلى كارثة إقليمية، أما الاكتفاء بضربات محدودة فقد لا يحقّق الأهداف
المعلنة، وهنا يجد صانع القرار الأميركي نفسه أمام معادلة صعبة ومعقّدة، كيف
يتراجع من دون أن يبدو مهزوماً، وكيف يفاوض من دون أن يعترف بسقوط رهاناته الأولى
للحرب؟
قد يكون المسار الأقل
كلفة هو العودة إلى طاولة المفاوضات، غير أنّ أيّ اتفاق محتمل، بعد صمود إيران
وقدرتها على امتصاص الضربة الأولى، قد يأتي بشروط أقرب إلى رؤيتها مما كان يُراد
فرضه عليها قبل بداية المواجهة.
في ضوء ذلك، أستطيع
القول إنّ الجولة الأولى من الحرب انتهت بخسارة سياسية واستراتيجية لواشنطن
و"تل أبيب" معاً، وخسارة موازية في ميدان السردية، وهو ميدان لا يقلّ
أهمية عن ساحات المواجهة العسكرية.
هنا ثمّة تطوّر مهمّ
في المشهدية، وهو ما كشفت عنه صحيفة يدعوت أحرنوت عن رغبة الادارة الأميركية في
إنهاء الحرب خلال خمسة أيام، هذا إن دلّ فإنما يدلّل على أنّ الرئيس الأميركي وقع
في فخّ نتنياهو وأنّ التقديرات والحسابات الأميركية انصدمت بصخرة الواقع.
وفي قلب صراع الإردات
هذا، كان يسعى رئيس الأميركي إلى توجيه ضربة سريعة خاطفة تعقبها تسوية عاجلة تحفظ
له ماء الوجه وتسوّق له كنصر سياسي وهذا لم يحدث، والمشهد يقول بوضوح كبير إنّ
المعادلة تغيّرت لصالح إيران التي تخوض مواجهة ستعمل في نهايتها على فرض قواعد
اشتباك ومعادلة ردع جديدة تخدمها في أيّ مسار سياسي مقبل.
شرحبيل الغريب

