بعد أسبوعين من العدوان الصهيو-أميركي على إيران ولبنان، وأحياناً مراكز الحشد الشعبي في العراق، مع استمرار التوغلات الصهيونية جنوب سوريا، ما زالت أنقرة في وضع لا تحسد عليه مع استمرار الضغوط الأميركية عليها كي تكون طرفاً في العدوان على جارتها إيران.
فعلى الرغم من استمرار النشاط التقليدي للقواعد
الأميركية الموجودة في تركيا وعددها أكثر من عشرين قاعدة، وأهمها قاعدة كوراجيك
التي تتجسس على إيران، رفضت أنقرة استخدام
هذه القواعد بشكل مباشر في العدوان الذي أثار ردود فعل واسعة في الأوساط السياسية
والشعبية التركية، وحتّى تلك التي كانت تعادي إيران "إما بسبب مذهبها الشيعي
أو بسبب نظامها غير الديمقراطي في موضوع النساء".
فقد بيّنت العديد من استطلاعات الرأي المستقلة
أن الغالبية الساحقة من الشعب التركي ( 87%) ضد العدوان الصهيو- أميركي على
الجارة إيران، وبعد أن اقتنع هؤلاء أن الهدف التالي لهذا العدوان بعد هزيمة إيران
سيكون تركيا التي يرى فيها الكيان العبري الخطر القادم بالنسبة له بعد التخلص من
جميع دول المنطقة بما فيها دول الخليج ثم سوريا والعراق.
وهو ما تحدث عنه العديد من المسؤولين
الإسرائيليين، ومنهم رئيس الوزراء السابق بنيت الذي هدد وتوعد تركيا
باعتبارها العائق الوحيد الذي سيعرقل قيام
"دولة إسرائيل الكبرى"، التي قال عنها السفير الأميركي في "تل
أبيب" مايك هكّابي "إنها تمتد من النيل إلى الفرات" الذي ينبع ونهر
دجلة من شمال شرق تركيا، وأيضاً نهرا سيحون وجيحون وهما مقدسان لليهود وفق النصوص
الدينية والأساطير التاريخية السخيفة.
وكانت أحاديث المسؤولين الإسرائيليين هذه كافية
بالنسبة إلى الشارع التركي لرفض أي نوع من أنواع التنسيق والتعاون مع واشنطن في
حربها ضد إيران، وثانياً للضغط على الحكومة كي تتخذ موقفاً أكثر فعالية ضد الكيان العبري
ومنعه من تحقيق أهدافه إن كان ضد إيران أو في المنطقة عموماً.
ويفسر ذلك تصريحات الرئيس إردوغان ووزير
خارجيته هاكان فيدان، اللذين أشارا أكثر من مرة إلى "خطورة السيناريوهات
الإسرائيلية ومنها تقسيم إيران وجر المنطقة إلى صراعات عرقية ومذهبية خطيرة".
وهو ما خصص له الإعلام الموالي معظم أوقاته في
جميع نشرات الأخبار والبرامج والنقاشات التي ساهمت في تضامن الشارع التركي مع
إيران، وتتمنى لها غالبية الشعب التركي بأطيافه كافة أن تصمد وتلحق خسائر مدوية
بالعدو وتحقق انتصارها المنشود ضد التحالف الصهيو-أميركي.
في الوقت الذي تدعو فيه أحزاب المعارضة الحكومة
إلى إغلاق كافة القواعد العسكرية والأطلسية في البلاد، ومنع أي فعاليات عسكرية
أميركية أو أطلسية داخل المياه والأجواء والأراضي التركية ضد إيران، وبعد أن أشارت
إلى خطورة التحالف الأميركي والأوروبي مع الكيان العبري وقالت عنه إنه يستهدف
الأمن القومي الاستراتيجي ليس فقط بالنسبة إلى تركيا بل في عمقها الاستراتيجي في
قبرص.
وحشدت واشنطن و "تل أبيب" وباريس
ولندن وروما وبرلين وأثينا وبعض العواصم الأوروبية الأخرى العديد من قواتها الجوية
والبحرية والبرية في الشطر الجنوبي من الجزيرة. ودفع ذلك أنقرة الأسبوع الماضي إلى
إرسال ست طائرات من طراز اف - 16 لمواجهة أي تطورات محتملة بما في ذلك استهداف
القبارصة الأتراك في الشطر الشمالي من الجزيرة من قبل التحالف القبرصي الجنوبي مع
اليونان والكيان العبري.
وقعت الأطراف الثلاثة خلال الأشهر والسنوات الأخيرة على العديد من
اتفاقيات التعاون العسكري والاستخباري وضد "أطماع تركيا العثمانية
التوسعية" على حد قول نتنياهو.
ومع استمرار النقاش في الشارعين السياسي والشعبي والإعلامي عن الصواريخ التي قيل إنها انطلقت من إيران وتم إسقاطها من قبل الدفاعات الأطلسية في الأجواء التركية قرب الحدود مع سوريا ، شكك 62٪ من المواطنين الأتراك في احتمالات أن تكون إيران هي التي أطلقت هذه الصواريخ أو أنها استهدفت تركيا مباشرة.
اقترح الرئيس بازيشكيان خلال اتصاله الهاتفي مع الرئيس إردوغان تشكيل
لجنة مشتركة للكشف عن ملابسات هذا الموضوع وبعد أن قال "إن طهران لم تطلق هذه
الصواريخ" كما تدعي بعض الأوساط الغربية التي تسعى لاستفزاز الشارع التركي
ومن بعده الدولة التركية ضد الجارة إيران.
في الوقت الذي لا يخفي فيه المسؤولون الأتراك
قلقهم من احتمالات استمرار العدوان الصهيو-أميركي على إيران بهدف إسقاط النظام
وتفجير الوضع الداخلي، ولا سيما في المناطق الكردية وهو ما يثير العديد من المخاوف
لدى تركيا التي لا تستبعد حينها حروباً أهلية داخل إيران وبين كل مقوماتها العرقية
ومنها الأذرية ذات الأصل التركي.
وهو ما يفتح شهية بعض الأوساط القومية التركية
المتطرفة التي ترى في الآذريين في إيران وأذربيجان امتداداً للأمن القومي التركي
في القوقاز ومنها إلى آسيا الوسطى، وحيث الجمهوريات ذات الأصل التركي التي تريد
لها واشنطن ان تخلق لروسيا العديد من المشاكل القومية والدينية بعد دعم أنقرة في
هذا الاتجاه.
ويفسر ذلك تهرب الرئيس إردوغان من استهداف
واشنطن أو الرئيس ترامب مباشرة في أي من تصريحاته التي "ينتقد فيها العدوان
على إيران، كما هو ينتقد إيران لاستهدافها دول الخليج".
في الوقت الذي يعرف فيه الجميع أن الرئيس
إردوغان يتهرب من إزعاج أو إغضاب الرئيس ترامب الذي قال أكثر من مرة إن إردوغان
يفعل ما يطلبه منه" فيما تقول
المعارضة إن إردوغان يعتمد على الدعم الأميركي له في سياساته الداخلية للقضاء على
كافة أنواع المعارضة السياسية منها والإعلامية والشعبية، وذلك لضمان بقائه في
السلطة إلى الأبد هو أو من سيخلفه إن كان نجله بلال أو صهره سلجوق.
ومن دون أن يكون واضحاً هل وكيف سيتأقلم الرئيس
إردوغان مع مطالب الرئيس ترامب الآن وفي المستقبل القريب في الوقت الذي يتعرض فيه
لضغوط روسية أيضاً تمنعه من التورط في أي سيناريو أميركي - إسرائيلي سيستهدف
المنطقة بل والعالم برمته.
ويبقى الرهان في نهاية المطاف على إرادة
الشارع التركي الذي قد يتحوّل إلى سندان
حقيقي يساعد إردوغان في التصدي لمطارق الآخرين الذين لا يريدون الخير لأحد في
المنطقة، وفي مقدمتهم تركيا التي ستكون الهدف الأخير بل الأهم بالنسبة إلى الكيان
العبري الذي يعرف الجميع أنه لا ولن يتراجع عن مشروعه الديني الذي لن يستطيع أحد
التصدي له سوى تركيا "السنية" بعد سقوط إيران "الشيعية".
ومن دون أن يكون واضحاً من وكيف سيسيطر على
دمشق بحكامها الجدد الذين جاء بهم ترامب خدمة لحساباته وحسابات الكيان العبري، ولا
يدري أحد هل وكيف ومتى ستلتقي أو تتناقض مع الحسابات والذكريات التركية العثمانية
التي يتغنى الرئيس إردوغان بها بين الحين والآخر!
حسني محلي

