ثمة معادلة صارت شبه مسلّمة في استراتيجية الولايات المتحدة الأميركية منذ نهاية الحرب الباردة قوامها تحقيق أهدافها الجيوسياسية بالحدّ الأدنى من الكلفة البشرية، عبر توظيف الحروب بالوكالة والحروب الجوية كأدوات أساسية للردع وإدارة الصراعات الإقليمية عن بُعد ومن دون الحاجة إلى الانخراط فيها.
إلى وقت قريب، بدا هذا النموذج في ظاهره
براغماتياً ورشيداً في الآن ذاته، باعتباره بني على منطق إدارة المواجهات من
الغرماء الجيوسياسيين يجنّب الجنود الأميركيين الموت، ويبقي الرأي العام الداخلي
في معزل عن الاحتقان الذي تستثيره التضحيات بالأرواح في حروب تستحثّها لوبيات تجني
منها المكاسب ولا تحظى في غالبيتها إلا بدعم الأقلية من الشعب الأميركي.
غير أنّ ما كشفه العدوان على إيران، وقبله
الحرب في أوكرانيا وحرب الإبادة على غزة، هو أنّ هذا النموذج بات ينطوي على نحو
متراكم على وهم مزدوج لم يعد بمقدور الهيمنة الأميركية إخفاؤه كما دأبت في الماضي
القريب، فلم يكن من هذه الأوهام إلا أن تكشّفت في لحظة مباغتة لا للأميركيين
وحلفائهم فحسب، بل لغرمائهم أيضاً.
الوهم الأول: الكلفة الذخائرية أهون من الكلفة
البشرية!
حين ضخّت الولايات المتحدة أسلحة وذخائر
بمليارات الدولارات إلى كييف منذ عام 2022، بدا الأمر وكأنـّه صفقة رابحة، فقد
أوكل إلى أوروبا دور استنزاف روسيا نيابة عن أميركا، والغرب أجمع، من دون أن يضحّى
بجندي أميركي واحد. وحين أعادت الولايات المتحدة تطبيق السلوك ذاته مع
"إسرائيل" في حرب الإبادة على غزة، كرّرت المعادلة ذاتها بالمنطق عينه.
بيد أنّ هذا الحساب كان مبتوراً في جوهره؛ لأنه
تجاهل حقيقة بنيوية تميّز منظومة الإنتاج الحربي الأميركي مفادها أنّ هذه المنظومة
لم تراجع هيكلتها ولم تـُعد منذ عقود، وأنها مصمّمة لحروب قصيرة عالية التقنية لا
لحروب استنزاف متواكبة ومفتوحة.
ولعلّ أبرز حقيقة بنيوية ضمن هذه المنظومة هي
أنّ خطوط إنتاج الذخائر الدقيقة، لا سيما التي تستخدم في حروب الجوّ، لا يمكن
مضاعفتها في أشهر معدودات، والمخزونات الاستراتيجية لهذه الذخائر ليست بئراً ما
لها من قرار.
أوّل مثال يوضح خطورة الهشاشة البنيوية التي
تعانيها منظومة الإنتاج الحربي الأميركية تسوقه لنا المنظومة الأميركية THAAD للدفاع الجوي. فحين نشرت واشنطن إحدى
بطارياتها النادرة من هذه المنظومة في “إسرائيل” في أكتوبر 2024 إثر عملية
"الوعد الصادق 2" الإيرانية، وحين أطلقت مدمّراتها صواريخ SM-3 الباهظة الثمن لاعتراض الصواريخ
الباليستية الإيرانية دفاعا عن الكيان في أبريل من العام ذاته، لم تكن تستنزف
أموالاً طائلة فحسب، بل كانت تستنزف ندرة استراتيجية حقيقية، ذلك أن الولايات
المتحدة لا تمتلك من بطاريات THAAD سوى سبع، ما يعني أنّ كلّ بطارية من هذه البطاريات تنشر خارج حدودها
هي في الحقيقة فراغ في منظومة ردعها الكوني لا مجرد تكلفة مالية قابلة للجبر
والتدارك.
أما المثال الثاني، وهو أكثر دلالة وخطورة من
سابقه، فيتصل بما كشفت عنه الضربات الجوية التي استهدفت إيران في يونيو 2025،
والتي شهدت استخدام أربع عشرة قنبلة خارقة للتحصينات العميقة من طراز GBU-57 المعروفة باسم
"Massive Ordnance Penetrator"،
بوصفها السلاح الوحيد القادر على اختراق المنشآت النووية الإيرانية المحصّنة في
أعماق الجبال، ولا سيما منشأة فوردو لتخصيب اليورانيوم ومنشأة نطنز النووية.
وتشير التقديرات إلى أن واشنطن لا تمتلك سوى
عدد محدود من هذه القنابل، وقد استهلك نحو 70% من مخزونها خلال تلك الضربات. وبذلك
وجدت الولايات المتحدة نفسها أمام تراجع ملموس في مخزون ذخائر استراتيجية نادرة،
لا يمكن تعويضه قبل عام 2028 حتى في حال توافر الموارد المالية اللازمة لإعادة
الإنتاج.
هكذا يكشف المثالان السابقان، اللذان يمكن
إيراد غيرهما، أن الحروب بالوكالة والحروب الجوية تجنّب واشنطن بالفعل الخسائر
البشرية المباشرة في صفوف جنودها، غير أنها تفضي في المقابل إلى نمط آخر من
الخسائر لم تكن الولايات المتحدة تدرك كامل أبعاده قبل عدوانها الأخير على إيران
وما أعقبه من ردود صاروخية متواصلة منذ الأيام الأولى للحرب. ويتمثل ذلك في
استنزاف الذخائر الاستراتيجية؛ وهو استنزاف لا يقاس في هذا النوع من الحروب بحجم
الكميات المستهلكة فحسب، بل بطبيعة الذخائر نفسها، ولا سيما تلك النادرة والمعقدة
تقنياً في عملية تصنيعها. فهذه الذخائر قد تستهلك في لحظات خلال العمليات
القتالية، لكنها تحتاج إلى أشهر طويلة، بل أحياناً إلى سنوات، لتعويضها وإعادة
تكوين مخزونها.
يحيل ذلك إلى حقيقة استراتيجية واضحة مفادها أن
الكلفة الذخائرية للحروب بالوكالة والحروب الجوية التي تخوضها الولايات المتحدة
و"إسرائيل" لا تظهر بوضوح في الحسابات اليومية للصراع، لكنها تتراكم
تدريجياً في الخلفية حتى تنكشف آثارها دفعة واحدة أمام صانع القرار في لحظة قد لا
يكون مهيأ لها.
وإذا كانت واشنطن قد فوجئت بوطأة هذه الحقيقة،
فإنّ المؤشّرات توحي بأنّ إيران تدرك جيداً حجم المأزق الذي يواجهه خصومها، وهو ما
يفسّر، إلى حدّ ما، نبرة الثقة التي برزت في الخطاب الإيراني منذ الأيام الأولى
للحرب.
الوهم الثاني: الوكيل أداة وليس فاعلاً مستقلاً!
لا يقل خطورة الاعتقاد بأن الوكيل مجرّد أداة
طيّعة في يد الراعي عن خطورة استنزاف المخزون العسكري نفسه. ففي الحرب الأوكرانية
احتفظت الولايات المتحدة بقدر ملحوظ من التحكم في إيقاع الدعم وأنواع الأسلحة
المقدمة إلى أوكرانيا، غير أن المشهد اختلف جذرياً في الحروب التي خاضتها
"إسرائيل" في قطاع غزة ولبنان ثم في المواجهة مع إيران.
فقد أظهرت هذه التجارب أن "إسرائيل"
ليست وكيلاً بالمعنى الكلاسيكي، بل شريكاً استراتيجياً يمتلك أجندته الخاصة وشبكة
نفوذ داخل دوائر صنع القرار الأميركية، بما يجعل العلاقة بين الطرفين أقرب إلى
التشابك منها إلى التراتبية.
ومن ثمّ بدا أن ما جرى في غزة ثم لبنان، قبل أن
يمتد إلى إيران، لم يكن تنفيذاً لاستراتيجية أميركية بقدر ما كان مساراً استدرج
واشنطن إلى مواجهة لم تختر توقيتها ولا شروطها ولا مدياتها الجغرافية والزمنية.
وعند هذه النقطة، ينقلب موقع الوكيل من أداة
تنفيذ إلى عامل استدراج، فيتحول الراعي من فاعل صانع للردع إلى طرف مقيَّد
بديناميكيات الصراع التي يفترض أنه يتحكم فيها.
انقلاب معادلة الردع
تقوم نظرية الردع في جوهرها على معادلة مزدوجة:
أن يدرك الخصم أن كلفة المبادرة بالهجوم تفوق مكاسبه المتوقعة، على أن تظل كلفة الحفاظ
على الردع بالنسبة إلى الرادع أدنى من العوائد الاستراتيجية التي يحققها من
استقرار وهيمنة. فإذا اختلّ الشرطان معاً، انهارت معادلة الردع من أساسها.
وهذا تحديداً ما تكشّف في ساحات القتال في
أوكرانيا وإيران ولبنان وقطاع غزة؛ إذ يظهر بوضوح أنّ خصوم الولايات المتحدة لم
يردعوا على النحو الكامل: فـروسيا ما تزال تواصل القتال، وإيران امتصّت الصدمة
الأولى للهجمات وتتحكم اليوم في إيقاع المواجهة، بينما لم تهزم حركات المقاومة في
لبنان وغزة.
في المقابل، تكبّدت واشنطن أثماناً استراتيجية
مرتفعة عبر هذه الجبهات؛ استنزفت جزءاً من مخزوناتها العسكرية، وشتّتت أولوياتها
الاستراتيجية، وأضعفت تماسك تحالفاتها. وهكذا وجدت نفسها أمام مفارقة لافتة:
فالقوة التي صاغت معادلات الردع الإقليمية لعقود تبدو اليوم واقعة تحت وطأة
التكاليف المتزايدة للمعادلة ذاتها.
أزمة بنيوية لا عارضة
بغية التخفيف من وطأته، قد يقال إن ما جرى هو
مجرد سوء إدارة أو حسابات خاطئة قابلة للتصحيح، لكن الحقيقة أن الأزمة أعمق من ذلك
بكثير. فالولايات المتحدة تعيش لأوّل مرّة منذ الحرب الباردة ما يمكن وصفه بالتشتت
الاستراتيجي للانتباه؛ مواردها توزعت على ثلاث جبهات متزامنة، حلفاؤها في حلف
"الناتو" متوجسّون من ترامب وإدارته ومنهكون ذخائرياً بدورهم، ودول
الخليج العربي أيقنت جيداً لعبة الكيان وباتت تبدي تحفظات صريحة وجوهرية على
التورط المباشر في المواجهة مع إيران.
في الوقت ذاته، يعلم خصوم أميركا –لاسيما
إيران- هذا كله، ويبنون استراتيجياتهم على استغلال فجوات الردع التي تكشّفت لا على
الخوف منه. فالردع لا يرتكز على الموارد المادية وحدها، إنما هو في جوهره معركة
تصورات، ومتى ما رأى الخصم تردّداً وتشتتاً وأوراقاً مستهلكة تتلاشى صورة الردع
ورسالته بصرف النظر عن حجم ترسانة الرادع وقوته.
إننا لا نعني من كل ما سبق أن الولايات المتحدة
الأميركية في طريقها إلى أفول استراتيجي حتمي، لكننا نحاول التأكيد أنّ النموذج الذي حكم تفكيرها الاستراتيجي منذ
ما بعد حرب الفيتنام وصل إلى حدوده القصوى. لقد ثبت أن الحرب بالوكالة وحروب الجو
ليست بديلاً مجدياً ومستداماً عن استراتيجية متماسكة، والردع لا تصنعه الذخائر
المكدسة بل تصنعه الحسابات الدقيقة والأولويات الواضحة والتحالفات الفاعلة، وما لم
تراجع واشنطن نموذجها من جذوره، فإن الحرب الحالية ضد إيران لن تكشف فقط أنها
استنزفت مخزونها، بل قد تفضي إلى إهدار ما هو أثمن من ذلك: مصداقية ردعها في عيون
من تسعى إلى ردعهم.
حسام حمزة

