بعد أسبوعين على بداية الحرب على إيران، وامتدادها إلى معظم منطقة غرب آسيا، وتجدد العدوان الإسرائيلي على لبنان بموازاتها، يشتد التركيز على الكلفة المالية المباشرة، والهائلة، خصوصاً بعد تكشف أرقامٍ الأسبوع الأول التي فاقت 11 مليار دولار!
لكن مع ذلك، تبدو هذه
الكلفة غير حاسمة لتحديد الأفق الذي تسير إليه التطورات. هي عنصر مهم من دون شك،
لكن هناك ما هو أكثر أهمية، وأشد أثراً على الاقتصاد العالمي برمته.
فمهما ارتفعت هذه
الكلفة العسكرية، تبقى ضمن حدود حسابها بمليارات الدولارات، والولايات المتحدة
واحدة من بين قوى محدودة في العالم، تستطيع تحمل هذا المستوى من الإنفاق، بالنظر
إلى موازة وزارة الحرب لديها، والتي تقترب من ملياري دولار يومياً.
الجانب الآخر الذي
يخفض من فداحة الكلفة المباشرة يتمثل بالعائد الذي تتوقعه واشنطن من التغييرات
الجيوسياسية المنتظرة خلف قرار الحرب، والتي تحسب بالتريليونات، وعلى مدى عقود
مقبلة، إذا تحقق الأمر. والمليارات بالنسبة لدولة اعتادت مراكمة هرم الديون
والتيسير الكمي بطباعة النقود وفصلت عملتها عن الذهب منذ عام 1971، لا تعني
الكثير. فما الأهم إذاً؟
الأهم هو الكلفة على
الاقتصادات والنتائج التي تغير بنيوياً في قوة الاقتصاد، وقوة العملة نفسها،
الخسارات الفادحة في أسواق الأسهم، وارتفاع كلفة المعيشة للجماهير، التي بدورها
تهز الاقتصاد، ثم تقوض الاستقرار الداخلي.
الأرقام هنا تحسب
بالتريليونات، والأحداث تكون أكثر دراماتيكية، إفلاس شركات وبنوك، فقدان سلع، توقف
سلاسل إمداد، خروج رساميل، وصولاً إلى حد تقويض قيمة العملة نفسها، وتراجعها من
عملة الاحتياط العالمي الأولى، إلى بحث المذعورين عن أصلٍ يحفظون فيه القيمة.
الذهب أو عملاتٍ أخرى لقوى أكثر حكمة، تنتظر فوق التل، وتساعد في تحريك الرمال
بأصابع ماهرة تقنياً وتكنولوجياً. أصابع تبدو من خلف دخان الحرب في الشرق. كيف
يتأكد ذلك؟
يقول وزير الطاقة
الأميركي إن محور الحرب هو الهيمنة على الطاقة، وإن الكلفة التي يتحملها الشعب
تقابلها مكاسب جيوسياسية تغير شكل العالم. من جهة ثانية، تقول وكالة بلومبيرغ إن
يد الرئيس الروسي فلاديمير بوتين الخفية تُوجّه ضربات إيران في الحرب المتصاعدة.
وفي هذا السياق، تقول
مصادر مطلعة على الاستخبارات الأميركية والغربية، إن موسكو تُزوّد إيران حاليًا
بأنواع مختلفة من المعلومات الاستخبارية، بما في ذلك صور الأقمار الاصطناعية
وتكتيكات استهداف الطائرات المسيّرة، في محاولة لمساعدة إيران ضد القوات
الأميركية. لكن المساعدة ليست باتجاهٍ واحد!
في الحرب الأوكرانية
زوّدت إيران روسيا بمسيرات شاهد، التي حوّلها الروس إلى "غيران"، وكان
لها الأثر الأكبر في مواجهة الدفق التسليحي الذي غذت به قوى الناتو أوكرانيا.
الخبرة الميدانية
للضباط الروس تجري مشاركتها الآن في هذه الحرب، وفي الجانب الآخر تمكن زيلنسكي من
إيجاد دورٍ له في الحملة ضد إيران، من الباب نفسه، مشاركة خبرة التعامل مع
المسيرات.
والآن يُشارك الكرملين
خبراته ومعرفته العسكرية المكتسبة من الحرب في أوكرانيا. صحيفة فايننشل تايمز تقول
إن واشنطن تستنفد مخزوناتها الصاروخية الحيوية في الحرب مع إيران. معطيات عسكرية
مهمة تشير إلى أن الوقت وتجهيز البنية التحتية العسكرية لمواجهة طويلة، يعملان
لمصلحة القوة المدافعة الآن. لكن ليس هذا الأهم في تحديد مدى الحرب ومستواها!
يبقى الاقتصاد،
والطاقة تحديداً، محور الحرب اليوم، وتبقى الأحداث العسكرية والتسليحية حاسمة
أيضاً في توجيه المسار!
الشركات العالمية
الكبرى، التي تعبر عن مصالح واشنطن حول العالم، مثل بلاك روك وبلاكستون، ومورغان
ستانلي يفرضون قيودًا على استرداد الأسهم في صندوق الائتمان الخاص، نورث هيفن.
المستثمرون
يطلبون سحب ما يقارب 11% من الأصول (حوالى 169 مليون دولار أميركي)، لكن الصندوق
لم يوافق سوى 5% لكل فصل.
هذه إشارات اقتصادية كبرى! اللبنانيون من بينكم يعرفون تماماً معنى هذه
القيود. لقد بدأ الذعر!
البيت الأبيض نشر
بالأمس صورة طائرة
B2 وخلفها العلم
الأميركي، مع شعار "السلام من خلال القوة"، لكن الكلمة السحرية لم تكن
هذه! بل الكلمة التالية
No Panicans!
الذعر هو العفريت الذي
تخاف منه الأسواق، ويتحدث عنه القادة، ثم بسبب هذا الخوف وذلك الحديث، يصعد وينتشر!
ما يحدث هو النذر
الأولى لانهيارٍ عالمي كبير قد يحدث في أي لحظة. قبل الحرب كانت كل ظروف الأزمة
متوفرة، فكيف في ظل حرب الأشخاص الخمسة، ومن خلفهم الشيطان السادس! ماذا سيحدث؟
ستفرض العديد من
الصناديق والبنوك قيودًا أو حظرًا تامًا على عمليات السحب. من لديه أموال في تلك
الأسواق، سينساها. وسيتدهور الوضع إذا طالت هذه الحرب إلى حد تجميد الودائع
المصرفية. لن أحدد دولاً معينة، الجميع مهدد.
هذا كله مرتبط بمشكلات
النظام المالي، لكنه مرتبط بشدة الآن بالضغوط على أسواق الطاقة، التي يلوح في
أفقها انقطاع الإمدادات من الشرق الأوسط بشكل تام. كيف نتجنب ذلك؟
سيناريوهان فقط. وقف
الحرب الآن من خلال اتفاق كبير. أو انتصار الأميركيين بصورةٍ كاملة. وكلاهما
متعذران بصورةٍ واضحة الآن. ماذا إذاً؟
استمرار الحرب سوف
يعني المزيد من القيود التي تفرضها صناديق استثمارية وبنوك مختلفة على عمليات سحب
المال. المتضررون يهلعون ويلجأون إلى المزيد من بيع السندات الحكومية الأميركية.
واشنطن سترفع أسعار الفائدة على الدين، على عكس كل جهود ترامب لخفضها في الأشهر الماضية
(نتذكر خلاف ترامب مع جيروم باول).
الذعر الذي يحذر منه
البيت الأبيض قد يتحول بسرعة إلى جائحة عالمية لا تنفع معها المعالجات. أولى
نتائجها ستكون تظاهرات الشارع الأميركي وحركة النخبة ضد ترامب، ثم خسارة
الانتخابات النصفية في الخريف المقبل!
لكن لنركز الآن على
موضوع الطاقة، فهو كما قال وزي الطاقة الأميركي، محور الحرب كلها!
في مطلع العام الحالي
كان سعر غالون البنزين في أميركا أقل من 3 دولارات. الآن هو في أعلى مستوى له على
الإطلاق، وهو يختلف من ولاية إلى أخرى، ويراوح بين 4 و8.40 دولاراً في كاليفورنيا
مثلاً.
هذا يعني فوضى عارمة
على الأبواب إذا فلتت الحرب من يد ترامب. وهذا التعبير، أي فقدان ترامب السيطرة
على الحرب، قاله حرفياً السيناتور كريس مورفي بالأمس. وهذا قد يقود ترامب إلى رفع
الرهان في إيران للتغطية على هذه الكارثة، وربما للتغطية على ملفات إبستين، التي يسود
الاعتقاد أنه فتح الحرب لتغطيتها. كمن يتخبط في الهروب من حريقٍ إلى حريق!
العدوان على جزيرة
خارك يمكن أن يتدرج في هذا السياق، إضافةً إلى تفسيرها كرد فعل على إصابة حاملة
الطائرات أبراهام لينكولن.
يحاول ترامب الحصول
على جائزة كبرى، منطقة نفطية كبرى من إيران، لتعويض النقص في الإنجاز الحاسم. في
بداية الأسبوع الماضي، تم اتخاذ إجراء مهم لتجنب انفلات أسعار النفط، وهو تحديد 7
ملايين برميل يومياً كحد أدنى لخفض الإمدادات. الدول بدأت بالإنفاق من احتياطياتها
النفطية الاستراتيجية، في محاولةٍ لتجنب حالة الذعر. لكن كل دولة حالة بذاتها،
ولها ظروفها الخاصة الصعبة في هذا الموقف!
اليابان أعلنت أنها لن
تنفق احتياطياتها النفطية لغير احتياجاتها وحدها. أوروبا مستنزفة تماماً، ولا تملك
الكثير بعد إنهاكها بحرب أوكرانيا. الصين تتمسك باحتياطياتها، ووضعها أفضل قليلاً
بسبب التعامل التفضيلي الذي تتلقاه من إيران. وهي تميل إلى المزيد من الشراء
والتخزين.
الولايات المتحدة
تمتلك 415 مليون برميل من الاحتياطيات، وهو معدل أقل بحدود النصف من المعدل العام
في أيام السلم. الدول الغربية وجدت نفسها مضطرةً لإنفاق 400 مليون برميل من
احتياطياتها على مدى أربعة أشهر (العجز اليومي 7 ملايين برميل).
وهذا كله يعني أن
الاحتياطيات لن تخرج من دولها، الجميع بحاجة ماسة وملحة لمخزوناته. والجميع غير
قادر على تحمل حربٍ طويلة، أو قصف البنى التحتية النفطية في الشرق الأوسط، التي
تحتاج لسنوات طويلة لإعادة بنائها.
وهذا ربما يكون السبب
الأساس في إعلان ترامب عدم قصف البنى النفطية قي جزيرة خارك. لكن ماذا عن الأسعار؟
يومياً تفتح الأسواق
على ارتفاع. الرقم المقدر لانفلات السوق وتعميم الهلع، هو نحو 130$ للبرميل. ونحن
نقترب منه بسرعة. (السعر الآن 103.4). الأسعار سترتفع حتماً عن مستوياتها الحالية،
بشكل حاد وسريع، ولمدة طويلة. لقد أخطأ ترامب بشكل خطير في تقدير قدرة إيران على
الرد. لقد انزلقت المنطقة إلى الفوضى. وهذا أيضاً الكلام الحرفي للسيناتور ميرفي.
وبحسب شركة غولدمان
ساكس، فقد انخفضت تدفقات النفط عبر مضيق هرمز بنسبة 97% عن المستويات الطبيعية.
وذلك على الرغم من نية
واشنطن ضخ نصف احتياطها في السوق. ورغم ذلك، لن تستطيع تغطية أكثر من 1.4 مليون
برميل من أصل 7 مليون برميل عجز يومي. وإلى جانب ذلك، ستضطر واشنطن لتعويض كل
برميل من احتياطياتها، ما نتيجة ذلك؟
الأضرار التي ستلحق
بالاقتصاد العالمي ستكون كارثية. وهذا قد يقود إلى ركود وانفجار فقاعات، وانهيار
الاستثمارات في سوق الذكاء الاصطناعي، ثم وقوع كل ذلك العبء على كاهل البنوك
الغربية وستندلع أزمة مالية شديدة القسوة.
ستعود سياسة طباعة
النقود بسرعة، ومع انحسار الإمدادات النفطية، سيقود التضخم للعملات الغربية الناس
إلى الشوارع. حرب إيران تشعل هذه الاحتمالات.
وليس النفط وحده،
الهيليوم أيضاً، بحسب بلومبيرغ، مهدد. إغلاق مضيق هرمز وتوقف إنتاج الغاز الطبيعي
المسال في قطر يهددان إمدادات الهيليوم، وهو الضروري لعدد من الصناعات الحيوية
(الرقائق وأشباه الموصلات)، وخصوصاً للاستخدامات الطبية… إغلاق المنشآت القطرية
قطع نحو ثلث الإنتاج العالمي من الهيليوم. لكن المصيبة لا تتوقف هنا!
شركة توتال إنيرجي
الفرنسية أعلنت تعليق 15% من إنتاجها العالمي من النفط والغاز. بينما وصلت
احتياطيات النفط الاستراتيجية الأميركية إلى أدنى مستوى لها منذ 30 عاماً.
وإذا تفاقم الوضع
وتابعت مطحنة الحرب دورانها، فإن إيران ستدمر جميع البنى التحتية للنفط والغاز
المرتبطة بالولايات المتحدة في الشرق الأوسط، في حال تعرض منشآتها للضرب.
هذا كله دفع واشنطن
إلى تجرع السم، فسمحت بشراء النفط والوقود الروسيين من 30 ناقلة نفط راسية في
المياه الآسيوية لمدة شهر. يحدث ذلك في وقتٍ لا يبدو فيه ضوء من آخر النفق. فماذا
عن المسار السياسي؟
صحيفة جيروزاليم بوست
الإسرائيلية نقلت عن مصدر أن مسؤولين كباراً من عُمان ومصر وباكستان وتركيا يعقدون
محادثات سرية مع مسؤولين إيرانيين كبار في محاولة لبدء حوار مع إدارة ترامب للتوصل
إلى اتفاق أو حتى وقف لإطلاق نار موقت.
تتطلع واشنطن إلى
إنهاء الحرب سريعاً، ربما خلال شهر كحدٍ أقصى، لكن الأمر غير مؤكد أبداً. فطهران
ترفض تماماً أن تترك لترامب أي فرصة لإعلان انتصار. تلعب اللعبة بالكامل، لأنها
تشعر بأنها تدير عامل الوقت لمصلحتها. وهذا قد يقود ترامب إلى تراجع مفاجئ وحاد،
تستطيع طهران تفسيره كانتصار ساحق. لماذا؟
لأن وزير الطاقة
الأميركي يؤكد محدداً أن الولايات المتحدة ليست مستعدة بعد لمرافقة ناقلات النفط
في مضيق هرمز. وفي الوقت نفسه، يدعو ترامب الدول المستفيدة من مضيق هرمز إلى
المجيء بنفسها لفتحه. وهذا أشبه بإعلان عجز، خصوصاً أنه يحدث بعد حدث أبراهام
لينكولن الكبير.
ومع ذلك كله، يتوقع
خبراء النفط أن يرتفع السعر برغم موافقة الولايات المتحدة على شراء النفط الروسي،
لأن البيع سيتم الآن بسعر السوق، بعد أن كانت روسيا تخفض سعره لتعزيز الإقبال عليه.
بالنتيجة، تقول
"الإكونوميست" إن إغلاق مضيق هرمز لنهاية شهر مارس سيتسبب بركود عالمي.
فماذا يعني ذلك كله؟
إيران جهزت نفسها
لحربٍ طويلة جداً، وأقلمت قرارها السياسي مع التجارب التاريخية في المنطقة، وفي
أزمات أخرى. في العراق وأفغانستان، دخل الأميركيون ورحلوا. في أفغانستان خسرت
طالبان كل شيء، وانكفأت إلى الجبال، وقاتلت وعادت إلى السلطة.
سباق المسافات الطويلة
ليس مخصصاً لواشنطن، وهذا درس من دروس التاريخ في فيتنام، وأفغانستان والعراق.
نموذج الضربة الخاطفة في فنزويلا هو الذي يناسب واشنطن. وهذا لا يحدث في إيران.
لذلك، هناك سيناريو
يعمل عليه نتنياهو خلف كل هذا المشهد، وبصورة متواصلة تخرج تصريحات إسرائيلية
تتحدث عنه. وهو المراهنة تكراراً على تحريك الشارع الإيراني.
لذلك، الحرب قد تنتهي
في أسابيع، لكن المرشح للفوز فيها هو من يمتلك المجتمع الأكثر استقراراً. وهذا
يقودنا إلى مراقبة صيف أميركا وصيف إيران.
الكاتب: نور الدين
اسكندر
