أخر الاخبار

الفشل الحتمي لتحالف ترامب البحري

 


آخر ما كان يتوقّعه الرئيس الأميركي دونالد ترامب هو أن تتحوّل حرب الساعات إلى أيام وأسابيع، ثم إلى حرب استنزاف لم يحسب لها حساباً ولا طاقة له على المستوى الشخصي على تحمّل نتائجها الكارثية، لقد بات واضحاً أنّ إيران استعدّت لهذه المنازلة طويلاً وأنّ قيادتها كانت على يقين بأنها واقعة لامحالة، وأنّ تحويلها إلى حرب استنزاف مفتوحة المدى الجغرافي والزماني يمثّل نهجاً رئيسياً في استراتيجيا الحرب المرهقة للعدو الأميركي ـــــ الإسرائيلي وحلفائه الإقليميين والدوليين.

سريعاً ومع انقضاء الأسبوع الأول للحرب على إيران بدأ حلم ترامب بالتحوّل شيئاً فشيئاً إلى كابوس يؤرقه، ومع فشل مخططه لإسقاط النظام الإيراني من الضربة الأولى ووضع يده على ربع الإنتاج العالمي من النفط والتحكّم بممراته وأسعاره، بات عليه أن يجد مخرجاً سريعاً لانعكاس هذا الفشل على الاقتصاد العالمي بعد أن أصبح الممر الملاحي الذي يمر عبره ربع نفط الأسواق العالمية في قبضة إيران، وارتفاع أسعاره إلى ما فوق 100 دولار للبرميل الواحد مع دخول الحرب أسبوعها الثالث.

لقد اختصر المرشد الأعلى الجديد في إيران السيد مجتبى خامنئي في بيانه الأول للشعب الإيراني وللعالم هذا التحدّي بعبارتين صادمتين كانتا كفيلتين ببثّ الرعب في أروقة البيت الأبيض: "إرادة جماهير الشعب هي مواصلة الدفاع المؤثّر والرادع، كما يجب الاستمرار في استخدام ورقة إغلاق مضيق هرمز"، إذاً هو التلويح بخيار حرب الاستنزاف الطويلة الأمد التي تهدّد الاقتصاد العالمي وعلى رأسه الاقتصاد الأميركي.

أمام هذا المأزق المستعصي وفي ظلّ كلفة الحرب المتراكمة والخلافات التي بدأت تعصف بالعلاقة الأميركية الإسرائيلية، وداخل الإدارة الأميركية نفسها وفق ما بدأ يتسرّب في الإعلام الأميركي والإسرائيلي لم يجد ترامب أمامه سوى اللجوء إلى طلب المساعدة من حلفائه مدّعياً بأنّ عدة دول سترسل سفناً حربية بالتعاون مع الولايات المتحدة، لإبقاء مضيق هرمز مفتوحاً وآمناً، ومعرباً عن أمله في أن تبادر دول مثل الصين وفرنسا واليابان وكوريا الجنوبية والمملكة المتحدة إلى إرسال قطع بحرية لضمان أمن الممر الملاحي الحيوي، ومطالباً الدول التي تستفيد من نفط المنطقة بإرسال قواتها لتأمين الملاحة، واستبق ترامب ذلك بالإعلان عن هجوم جوي على جزيرة خرج الإيرانية في محاولة منه لإيهام تلك الدول بأنّ الولايات المتحدة تسيطر على الموقف العسكري في الخليج.

دلالات وأهداف

يمكن قراءة فحوى كلام ترامب على أنه يمثّل دعوة لتشكيل تحالف عسكري بحري دولي بقيادة وإشراف الولايات المتحدة في المنطقة، ولا يمكن تجاهل دلالات هذه الدعوة وخلفيّاتها وأهدافها والتي يمكن اختصارها بالآتي:

أولاً؛ إنّ الولايات المتحدة فقدت القدرة على السيطرة وإدارة الحرب بمفردها بعد أن فقدت القدرة على ادّعاء النصر، وتسعى لتدويل الحرب وتحويلها إلى حرب دولية في مواجهة إيران تحت ذريعة حماية سلاسل توريد النفط والتجارة العالمية.

ثانياً؛ تسعى الولايات المتحدة إلى الالتفاف على حقّ إيران بالتحكّم بالملاحة في المضيق في أوقات الحرب من خلال تدويل قضية الملاحة في مضيق هرمز تمهيداً لفرض قوانين بحرية جديدة بضغط من دول عديدة.

ثالثاً؛ يعتقد ترامب بأنّ انخراط دول عديدة في التحالف البحري سيدفع إيران إلى الاستسلام تحت الضغط الدولي، أو بالحدّ الأدنى القبول بوقف الحرب والدخول بمفاوضات مع هذه الدول من دون شروط مسبقة وبالتالي تأمين مخرج له للخروج من المأزق الذي وقع فيه.

رابعاً؛ يناور ترامب للهروب من اللجوء للوساطة الروسية التي يعتقد بأنّ كلفتها ستكون مرتفعة ولا سيما أنّ تلك الكلفة قد تشمل ملفات أخرى لا يريد ترامب أن يكون مجبراً لتقديم تنازلات فيها.

خامساً؛ يأمل ترامب بأنّ دعوته لانضمام الصين إلى هذا التحالف ستلقى تجاوباً من بكين التي تنتظر زيارته بعد أسبوعين.

سادساً؛ يسعى ترامب لتشجيع الدول الأوروبية المتضررة من ارتفاع أسعار الطاقة للانخراط في الحرب إلى جانبه بعد أن اتخذت موقفاً محايداً نسبياً.

ردود الفعل على دعوة ترامب

أولى ردود الفعل جاءت من الجانب الأوروبي وتحديداً من فرنسا وبريطانيا اللتين تقاسمتا الأدوار، حيث سارعت بريطانيا لعقد اجتماع وزاري مع دول الخليج العربية تحت عناوين دفاعية في خطوة تبدو كأنها التفاف على دعوة ترامب لتشكيل التحالف البحري، فيما سرّبت الصحافة البريطانية معلومات عن أنّ بريطانيا تدرس إرسال طائرات مسيّرة لكشف الألغام البحرية واعتراض الطائرات المسيّرة الإيرانية وهي خطوة لا ترقى إلى درجة التشاركية في إنشاء تحالف عسكري.

وأما بالنسبة لفرنسا فقد سارع رئيسها ماكرون لإجراء اتصالين مع ولي العهد السعودي والرئيس الإيراني في خطوة تهدف لتفعيل الجهود السياسية للحلّ، وطالب ماكرون نظيره الأميركي ترامب بتوضيح "أهدافه النهائية والوتيرة التي يريد أن يمنحها للعمليات"، فيما نفت الرئاسة الفرنسية ما تسرّب من معلومات عن إرسال فرنسا لسفن حربية إلى الخليج.

وبالنسبة لليابان فقد أعلنت أنها لن تُسارع إلى إرسال سفن حربية بناءً على طلب ترامب مستندةً إلى مبدأ راسخ مفاده أنّ اليابان تتخذ قراراتها المستقلة وفق حكمها الخاص، مؤكدة بأنّ القوانين النافذة تجعل قواعد إرسال السفن العسكرية إلى المنطقة "شديدة الصعوبة" من الناحية القانونية.

بينما قالت كوريا الجنوبية إنها تدرس بعناية طلب ترامب، وأما الصين فقد تجاهلت الطلب الأميركي داعية إلى وقف فوري لإطلاق النار.

ويمكن القول بأنّ جميع ردود الفعل وإن كانت متباينة فجميعها يصبّ في خانة الحذر والدعوة إلى تغليب الدبلوماسية ووقف الحرب، وهو ما زاد من غضب الرئيس الأميركي دونالد ترامب الذي لوّح بتأجيل زيارته إلى الصين، وحذّر من مستقبل شديد السوء في حال كانت ردود حلفائه في الناتو سلبية على دعوته "أعتقد أنّ ذلك سيكون سيئاً للغاية لمستقبل حلف الناتو".

ردّ الفعل الإيراني

لا شكّ بأنّ الحكمة والدهاء باتت تمثّل إحدى سمات السياسة الإيرانية إلى جانب الحزم الذي تظهره المؤسسات الأمنية العسكرية، وهو ما ظهر مراراً سواء في النشاط الدبلوماسي المميّز الذي سبق المفاوضات الأخيرة وخلالها، وأيضاً خلال الحرب الحالية.

وكالعادة تلقّفت القيادة الإيرانية خلفيّات مناورة ترامب الجديدة وتحرّكت لمواجهتها بعدة طرق، وكان أولى القرارات الإيرانية السماح بمرور بعض شحنات النفط عبر مضيق هرمز بشرط أن تتمّ صفقات النفط باستخدام العملة الصينية "اليوان" في خطوة تهدف لتأمين انسيابية النفط وإضعاف الدولار، أو على الأقل ستكون كفيلة بتزويد الصين بوارداتها من نفط الخليج بشكل عامّ وليس من إيران وحدها خاصة أنّ دول الخليج العربية مضطرة لبيع نفطها في ظلّ تخوّفات من دخول اقتصادها مرحلة الركود بعد عقود من النمو.

أما وزير الخارجية الإيراني عباس عراقتشي فقد ألقى الكرة في ملعب المعتدي الأميركي عندما أوضح بأنّ إيران لم تغلق مضيق هرمز وسبب عدم إبحار السفن هو انعدام الأمن الناجم عن العدوان الأميركي، وهو بذلك يسقط الذرائع التي اعتمدها ترامب لتبرير دعوته لتشكيل التحالف، وترك عراقتشي الباب مفتوحاً للدول التي ترغب في تأمين ممرّ آمن لسفنها تاركاً القرار في هذا الشأن للقوات العسكرية الإيرانية في خطوة أخرى تهدف على ما يبدو إلى دعوة الدول إلى التعاون الأمني والعسكري مع إيران بدلاً من الاستجابة لدعوة ترامب للعمل تحت قيادة القوات الأميركية التي لم يغفل عراقتشي عن المطالبة بمغادرتها المنطقة.

ختاماً؛ لعل ما قاله المحلل السابق في وكالة المخابرات المركزية "لاري جونسون" يعبّر بشكل دقيق عن الحالة التي وصل إليها الرئيس الأميركي ترامب "يعيش ترامب في عالم من الأوهام. نعم، أعتقد أنه منفصل عن الواقع .. إنه ينزلق نحو الجنون".

 

 

الكاتب: محمود الأسعد

تعليقات



حجم الخط
+
16
-
تباعد السطور
+
2
-