إن قدرة إيران على البقاء رغم العدوان لا ترتكز فقط على صمودها عسكرياً ومؤسسياً، بل أيضا على هوية حضارية تشكلت بفعل معتقدها الديني وقوة الشهادة الخالدة.
من منظور إيران، تُعدّ الحرب التي اندلعت ضدها
في 28 فبراير/شباط 2026، صراعاً وجودياً. وقد أُعلنت أهداف التحالف الأميركي
الإسرائيلي صراحةً: تفكيك بنية القيادة، وتفتيت تماسك النخبة، وتسريع الانهيار
السياسي للدولة الإيرانية من أعلى.
بالنسبة لإيران، الرهان حضاري. فلا تعتبر
الصراع تنافساً سياسياً، بل معركة لأجل السيادة والاستقلال والاستمرارية التاريخية.
إن ذاكرة التدخلات الخارجية ضد إيران – انقلاب عام 1953، أو دعم العراق خلال حرب
1980-1988، أو منظومات العقوبات المتعاقبة – تُشكل تفسير اللحظة الراهنة. في
السياق التاريخي، لا يُنظر للحملة الحالية كمجرد حدث عسكري معزول، بل هي الفصل
الأخير في صراع طويل حول من يُحدد مصير إيران السياسي.
وقد كان الثمن باهظاً بالفعل. تشير التقارير
لمقتل مسؤولين كبار بالقيادة السياسية والعسكرية الإيرانية في موجة الضربات
الأولى، مثل وزير الدفاع أمير نصير زاده وقائد الحرس الثوري الإسلامي محمد باكبور.
والأهم من ذلك كله، استشهاد المرشد الأعلى، آية الله السيد علي خامنئي. في المنطق
الاستراتيجي التقليدي، يُقصد من إزاحة القيادة إرباك الدولة، وإضعاف الروح
المعنوية، وإثارة الانقسام الداخلي. ويُفترض أن إزاحة القيادة تُؤدي إلى شلل.
في منشوره على منصة "تروث سوشيال"
يوم 28 فبراير/شباط، أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب نبأ اغتيال المرشد،
قائلاً: "هذه هي الفرصة الأعظم للشعب الإيراني لاستعادة وطنه".
لكن، يرى عالما السياسة الأميركيان جون
ميرشايمر وبول غرينييه، هذا الافتراض مبنياً على سوء فهم عميق. فإيران ليست مجرد
دولة حديثة ذات جهاز مركزي، بل هي أيضا الموطن التاريخي لتقاليد دينية راسخة، ترى
في وفاة القائد قوة وتماسكاً لا انهياراً. غالباً ما يُفسر الغرب الاستشهاد كخسارة
فادحة، بينما يحمل الاستشهاد، في الفكر الإسلامي عامة والشيعي بخاصة، دلالة مختلفة
تماماً، فهو تضحية مقدسة، وانتصار أخلاقي، وشهادة قاطعة على الحق بوجه الطغيان.
هذا الاختلاف في المفهوم الأخلاقي بالغ الأهمية في زمن الحرب.
في هذا الإطار، لا يُؤدي اغتيال القادة على
أيدي قوى أجنبية بالضرورة إلى نزع الشرعية عن النظام السياسي، بل يُضفي عليه
قدسية. فالخسارة تُصبح دليلاً على الظلم الواقع، والموت يُصبح برهاناً على الصمود.
يُدمج الشهداء في سردية مقدسة تمتد لما يقارب أربعة عشر قرناً. هذه هي القوة التي
لا يدركها الاستراتيجيون في الخارج.
يضيف ميرشايمر وغرينييه، أنه لفهم سبب عدم
ترجيح أن الحرب ستُؤدي إلى تفكك إيران ككيان سياسي، لا بد أولًا من فهم قوة
الإسلام الشيعي في تاريخ إيران والدور المحوري الذي لعبه الاستشهاد في تشكيل
الهوية الإيرانية. عندها فقط يتضح أن ما يبدو خارجياً قطعاً للرؤوس يتحول داخلياً
إلى تقديس.
في الوقت ذاته، يجب التنبيه إلى أن هذا البُعد
الديني ليس العامل الوحيد الذي يُشكل صمود إيران. فهناك عوامل بنيوية أخرى ذات
أهمية بالغة: تماسك النخب، والسيطرة الأمنية، وعمق وفاعلية المؤسسات. مع ذلك، تُعد
الأيديولوجيا الدينية في إيران قوة يُقلل الاستراتيجيون في الخارج من شأنها
دائماً. وفي زمن الحرب، يُمكنها تغيير كيفية التعامل مع الخسارة جذرياً، وكيفية
تعزيز الشرعية والاستمرارية السياسية.
كربلاء.. لاهوتاً سياسياً
يشرح الكاتبان كيف أن استشهاد الإمام الحسين بن
علي (ع) في معركة كربلاء (في العراق حاليًا) عام 680 م، يُعدّ الحدثَ المحوري في
الإسلام الشيعي. ففي التراث الشيعي، لم يكن استشهاد الحسين مجرد مأساة في ساحة
المعركة، بل كان مواجهة كونية بين العدلوالطغيان. وأصبح رفضه الخضوع لسلطة غير
شرعية نموذجًا للمقاومة العادلة.
بالنسبة للمجتمعات الشيعية، التاريخ ليس
دورياً، بل هو تاريخ أخلاقي. يُعاد تمثيل كربلاء طقوسياً كل عام خلال عاشوراء. في
إيران، يشارك الملايين بمواكب العزاء، وشعائر التعزية، وفعاليات إحياء الذكرى
جماعياً. لا تقتصر هذه الطقوس على إحياء ذكرى الماضي فحسب، بل تُرسّخ في كل جيل
رؤية كونية تُعلي شأن المعاناة والتضحية والصمود في وجه الظلم.
يلاحظ ميرشايمر وغرينييه أن هذا الأمر بالغ
الأهمية في زمن الحرب. فإن مجتمعاً متجذراً في سردية كربلاء لا ينظر إلى الفقد كما
تفترض النظرية الاستراتيجية العلمانية. فالضحايا شهداء. ويمكن إعادة صياغة اغتيال
القادة كاستمرار لنهج الإمام الحسين. ويمكن دمج العنف الخارجي في قصة قديمة يندحر
فيها الظلم في النهاية ويبقى الحق. لا يمكن لأي غارة جوية محو هذه السردية من
الوجود.
التقاليد الدينية كهوية للدولة
في ذات السياق التاريخي، اندمجت هذه التقاليد
الدينية مع الدولة الإيرانية منذ أوائل القرن السادس عشر. لم يكن هذا مجرد موقف
ديني، بل تضمن بُعداً جيوسياسياً. أصبحت هذه التقاليد رمزاً حضارياً للهوية
الإيرانية. وبمرور الزمن، تداخلت اللغة والذاكرة الإمبراطورية والعقيدة الدينية.
صمد هذا التوليف بين التقاليد الدينية والدولة
أمام تغير السلالات الحاكمة، ونجا من الغزوات والاضطرابات الداخلية وانحدار
الإمبراطورية. وبحلول العصر الحديث، لم يعد التشيع مجرد عقيدة، بل أصبح ركناً
أساسياً من أركان الوعي الوطني.
لذا، عندما تواجه إيران الحديثة ضغوطًا خارجية،
فإنها لا تفسر الأحداث بمفاهيم سياسية معاصرة فحسب. تُدرك هذه النظرة من خلال قرون
من اندماج الدولة بالدين. ويصبح الدفاع عن السيادة مرتبطاً ارتباطاً وثيقاً
بالدفاع عن تاريخ مقدس.
1979: الثورة كإحياء لمعركة كربلاء
استندت الثورة الإيرانية عام 1979 بشكل كبير
إلى رمزية دينية. فقد صوّر آية الله الخميني معارضة الشاه لا كحركة سياسية
تقليدية، بل كإحياء لموقف الحسين إزاء يزيد. وتغلغلت صور الاستشهاد في الخطاب
الثوري.
خلال الحرب الإيرانية العراقية (1980-1988)،
تكثفت هذه الرمزية. وتوجه المتطوعون الشباب لاعتبار ساحة المعركة كربلاء. لم يكن
القتلى مجرد ضحايا، بل كانوا شهداء. وزُيّنت المدن بلوحات جدارية للشهداء، وأصبحت
مواكب جنازات الشهداء طقوساً سياسية جماهيرية تُعزز التضامن.
أما الحرب نفسها – التي شنّها صدام حسين بدعم
مادي من القوى الغربية والإقليمية – فقد اعتبرت هجوماً وجودياً على الثورة. وبدل
الانهيار تحت الضغط، تماسكت إيران. وتحصّنت مؤسساتها وتعمقت عقلية التصدي للحصار.
كان الدرس الذي استوعبته الدولة الإيرانية
واضحاً: العدوان الخارجي لا يُفضي بالضرورة إلى التفتيت، بل قد يُؤدي إلى التماسك،
ولا سيما إذا ما اعتُبر دفاعاً مقدساً.
الاستشهاد والتماسك الاجتماعي
يذكّر المؤلفان بأن الفكر الاستراتيجي الغربي
يفترض أن الاغتيال المُستهدف يُضعف الخصوم بإضعاف معنويات أتباعهم. قد يصح هذا
الافتراض في ثقافات سياسية شديدة العلمنة. إلا أنه في الفكر السياسي الشيعي، يُعدّ
الاستشهاد عاملاً مُسرّعاً. فعندما يُقتل قائد مثل السيد خامنئي، لا تنتهي الرواية
بالضرورة، بل تشتدّ وتتكثف.
تجلّت هذه الدينامية بعد اغتيال قائد فيلق
القدس التابع للحرس الثوري الإيراني، اللواء قاسم سليماني، عام 2020. وبدل أن
يُزعزع اغتياله استقرار النظام بشكل فوري، أطلق مواكب جنائزية ضخمة، وعزز المشاعر
المعادية لأميركا بمختلف شرائح المجتمع الإيراني. أُعيد تصوير سليماني مدافعاً عن
الوطن والدين، وأصبحت صوره حاضرة في كل مكان
عندما يُقتل المرشد الأعلى بأيدي قوى أجنبية، يكون للحدث صدى رمزي أكبر. سيُصوَّر الحدث دليلاً على العداء التاريخي لاستقلال إيران. سيُضفى على موت المرشد طابع مقدس، لا يُستهان به. في هذه البيئة، تُخاطر القوى الخارجية بتعزيز ما تريد تحطيمه.
الخلافة والاستمرارية المؤسسية
يفترض مراقبون في الخارج أن النظام السياسي
الإيراني قائم على شخصيات، وبالتالي فهو عرضة للتغيير الجذري. في الواقع، رسّخت
الجمهورية الإسلامية آليات الخلافة عبر مجلس الخبراء. دور المرشد الأعلى مُدمج ضمن
إطار دستوري يُراعي حتمية الوفاة.
في سن السادسة والثمانين، كان عمر السيد خامنئي
وحده كافياً لوضع خطط طوارئ. لطالما أدركت النخب الإيرانية حتمية الانتقال. ففكرة
أن تغيير القيادة يُساوي انهيار النظام تُسيء فهم البنية العقدية والمؤسسية
للدولة. فالفكر السياسي الشيعي تطور على مدى قرون، وتطورت هياكل السلطة تحديداً في
غياب المرشد الروحي الأسمى.
إن الاستمرارية السياسية في ظل غياب القيادة
ليست طارئة على الفكر الشيعي، بل هي ركن أساسي فيه. فبعد مقتل كبار القادة، عُيّن
العميد أحمد وحيدي قائداً جديداً للحرس الثوري، ما يشير إلى استمرارية مؤسسية
سريعة وليس شللاً. كما أشارت وسائل الإعلام الإيرانية إلى الإعلان قريباً عن مرشد
أعلى جديد.
وبالتالي، فمقتل قائد في الجمهورية الإسلامية
لا يُحدث فراغاً، بل يُفعّل مسارات الخلافة القائمة ويُعيد شرعية النظام من خلال
الحداد، وإعادة تأكيد المؤسسات، وإضفاء طابع مقدس على الاستمرارية. ففي ثقافة
سياسية تشكلت بفعل كربلاء، لا يُؤدي الفقد بالضرورة إلى التشرذم، بل قد يُؤدي إلى
التوحيد.
الاستشهاد.. عمقاً استراتيجياً
عندما تمارس القوى الغربية المعاصرة ضغوطًا
عسكرية، فإنها تلج واقعاً تاريخياً مُشبعاً بذكريات الغزو. وتندمج روايات
الاستشهاد الدينية بسلاسة مع المظالم القومية. والنتيجة ليست ثنائية بسيطة بين
النظام والشعب، بل هوية متعددة الطبقات تتداخل فيها العقيدة والتاريخ والسيادة.
في المصطلحات العسكرية التقليدية، يشير العمق
الاستراتيجي إلى الجغرافيا والوفرة. أما في حالة إيران، فهناك أيضًا عمق أيديولوجي.
تضمن أيديولوجية الاستشهاد ألا تتحول الخسائر تلقائياً لإحباط معنوي، بل يمكن أن
تُحفز التعبئة. ويصبح كل شهيد جزءًا من حشد متنامٍ للمقاومة.
يُعقّد هذا العمق الأيديولوجي أداء استراتيجيات
الإكراه. قد يُدمّر القصف الممتلكات، بل وقد يُودي بحياة القادة. لكنه يُخاطر
بتغذية سردية تُؤجّج صموداً طويل الأمد.
خيط لا ينقطع
يُشكّل مفهوم الشهادة في التقاليد الدينية
الشيعية، المُمتزج بالهوية الحضارية والذاكرة الثورية الحديثة، خيطاً لا ينقطع في
الثقافة السياسية الإيرانية. وتُوفّر آليات خلافة القيادة استمرارية مؤسسية.
بدورها، شعائر الحداد تُحوّل الفقد إلى وحدة. تُعيد الذاكرة التاريخية صياغة
الاعتداء الخارجي باعتباره تأكيدًا لشكوكٍ راسخة.
لن تندلع حرب أميركية إسرائيلية في فراغ. بل
ستتكشف ضمن هذا السياق المُتجذّر بعمق، حيث تُهدّد محاولات الإكراه الخارجي بتعزيز
التماسك الداخلي.
إنّ الافتراض أن اغتيال قائد أو شنّ حملة جوية
واسعة النطاق سيُدمّران إيران هو سوء فهم لأسس هويتها الوطنية. تكمن قوة التقاليد
الدينية في تاريخ إيران تحديداً في تحويل المأساة إلى صمود، والموت إلى استمرارية.
تعاقبت الإمبراطوريات على الهضبة الإيرانية،
وسلالات حاكمة سادت ثم بادت. ومع ذلك، تبقى ذكرى كربلاء خالدة. ففي النهاية، لا
تختبر الحروب القدرات العسكرية فحسب، بل عمق الحضارة أيضاً. ولا يكمن عمق إيران في
صواريخها أو جبالها فحسب، بل في ذاكرتها أيضاً، والذاكرة، ولا سيما الذاكرة
المقدسة، عصية على المحو، كما يخلص ميرشايمر وغرينييه.
مازن النجار

