في معظم دول العالم، يتساءل الكثيرون عن سرّ هذا العداء الأميركي-الإسرائيلي المفرط تجاه الجمهورية الإسلامية في إيران، وهو عداء مُستدام ومتواصل وغير منقطع بدأ منذ نجاح الثورة الإسلامية بقيادة الإمام الخميني رضوان الله عليه في إسقاط حكم الشاه، والذي سقط معه أكبر وكر أميركي وإسرائيلي للتجسّس على كلّ دول المنطقة، ومن زار مقرّ السفارة الأميركية في طهران وشاهد ما تحتويه من أجهزة مراقبة وتنصّت وتجسّس يعرف ماذا تعني العبارة السابقة.
بعض الناس وجزء لا بأس به من المحلّلين
والمختصّين يُرجع هذا الموقف من إيران كون أهلها ينتمون للطائفة الشيعية الكريمة،
وهي سردية حاول الكثيرون وما زالوا من منظّري التيارات التكفيرية إقناع الناس بها،
ولا سيّما أنهم يتشاركون رفقة الجانبان الأميركي والإسرائيلي وباقي أطراف محور
الشرّ الموقف نفسه.
وفي الحقيقة هذا الأمر يمكن نفيه ببساطة من
خلال استعراض موقف الأطراف المذكورة أعلاه نفسها من النظام الإيراني إبّان حكم
الشاه، والذي كان شيعياً هو الآخر، كما هو الحال بالنسبة لباقي أو معظم سكان
البلاد، إذ كانت علاقة النظام آنذاك مع دول الاستعمار العالمي على خير ما يرام، بل
وكان يُستخدم كشرطي للمنطقة يخدم مصالح تلك الدول، وينفّذ أجنداتها كما لم يفعل
نظام آخر، وبالتالي تنتفي حجّة البعد المذهبي جملة وتفصيلاً.
سبب ثان ٍيعتقد البعض أنّ له علاقة مباشرة بسرّ
هذا العداء لإيران وهو يتعلّق بكونها دولة نفطية كبيرة، إلى جانب ما تحتويه من
معادن أخرى تكاد لا توجد في كثير من دول العالم، ومع أنّ هذا الأمر يمكن اعتباره
سبباً جزئياً فيما يجري، إلا أنه لا يستحقّ كلّ هذا العداء والعدوان، حيث إنّ
الكثير من دول العالم تملك ثروة نفطية أكثر مما تمتلك إيران، إلا أنها لا تواجه
هذا الكمّ من العداء المستمر منذ سبعة وأربعين عاماً.
في حقيقة الأمر يبدو موقف محور الشرّ من إيران
واضحاً ولا يحتاج إلى الكثير من الجهد حتى نعرف أسبابه الحقيقية، والتي بإمكاننا
الإشارة فيما يلي إلى ثلاثة منها نراها تحكم الموقف الأميركي والإسرائيلي من
إيران، وهو الموقف الذي تشاركهما فيه كما أسلفنا العديد من الدول العالمية
والإقليمية، وحتى بعض الدول العربية والإسلامية.
1/الموقف من القضية الفلسطينية:
لا يمكن لأحد كارهاً كان أو مُحبّاً للجمهورية
الإسلامية في إيران إنكار حقيقة الموقف الإيراني من فلسطين ومن قضيتها العادلة
والمشروعة، وهو الموقف الذي ينسحب على قضايا الأمة بغضّ النظر عن الانتماء الطائفي
أو المذهبي، وهذا يمكن التدليل عليه من خلال الموقف الإيراني الداعم والمساند
لقضايا أخرى مثل البوسنة والهرسك، وأفغانستان على سبيل المثال، وكلاهما تدينان
بالمذهب السنّي.
فيما يخصّ القضية الفلسطينية على وجه الخصوص فقد ساهم الجهد الإيراني
غير المنقطع في صمود الشعب الفلسطيني في وجه حرب الإبادة التي تعرّض لها وما زال
منذ أكثر من سبعة وسبعين عاماً، ولولا هذا الدعم إلى جوانبه السياسية والعسكرية
والإعلامية والمالية لكان حال القضية الفلسطينية أسوأ بكثير مما هي عليه اليوم، بل
وبات هذا الدعم سبباً رئيسياً في تحوّل المقاومة الفلسطينية إلى قوة حقيقية
ومقتدرة، استطاعت تحقيق إنجازات لافتة في كثير من مراحل صراعها مع العدو الصهيوني.
هذا الدعم الإيراني السخي واللافت ولا سيّما
على الصعيد العسكري عبّر عنه الشهيد الكبير يحيى السنوار رضوان الله عليه بقوله:
"نحن نراكم قوتنا العسكرية التي تضاعفت لأجل تحرير فلسطين والعودة، وإيران هي
الداعم الأكبر بالمال والسلاح والتدريب، وإنّ الدعم الإيراني استراتيجي".
على صعيد موازٍ قدّمت إيران دعماً سياسياً
للقضية الفلسطينية كما لم تفعل أيّ دولة أخرى، إذ إنها ومنذ اليوم الأول للثورة
الإسلامية قطعت علاقاتها الدبلوماسية مع الكيان الصهيوني التي كانت قائمة إبّان
حكم الشاه، وسلّمت السفارة الإسرائيلية في طهران لمنظّمة التحرير الفلسطينية ورفعت
عليها العلم الفلسطيني، إلى جانب ذلك فإنّ إيران لا تعترف بشرعية الكيان الصهيوني
على أيّ جزء من أرض فلسطين التاريخية، وطالبت وما زالت بتجريم احتلال
"إسرائيل" لأراضي الشعب الفلسطيني في كلّ المحافل والهيئات الأممية،
ولديها موقف واضح ومعلن برفض كلّ الاتفاقيات التي وقّعتها الدول العربية والسلطة
الفلسطينية مع "إسرائيل".
إلى جانب كلّ هذا الدعم يأتي إعلان
"الإمام الخميني" تخصيص الجمعة الأخيرة من شهر رمضان المبارك من كلّ عام
كيوم لدعم ومساندة الحقوق الفلسطينية في وجه المحتل الصهيوني، تحت عنوان "يوم
القدس العالمي"، وقد أصبح هذا اليوم علامة فارقة في تاريخ القضية الفلسطينية،
حيث إنه يشهد حركة تضامن عالمية مع الحقوق الفلسطينية لا تكاد تتكرّر في مناسبة
أخرى.
الدعم العسكري والسياسي ينسحب أيضاً على
الشقّين المالي والإعلامي، فمالياً تبذل إيران جهداً كبيراً على أكثر من صعيد، فهي
ورغم الأزمة الاقتصادية التي تعاني منها نتيجة الحصار والعقوبات، تخصص جزءاً مهماً
من ميزانيتها لدعم الشعب الفلسطيني بمختلف فئاته، وهي إلى جانب الدعم الكبير الذي
تخصّصه لجميع فصائل المقاومة، تقدّم مساعدات دورية لذوي الشهداء والأسرى والجرحى، وكذلك
للعوائل التي تهدّمت مساكنها من جرّاء العدوان الصهيوني، هذا بخلاف مساعدات أخرى
في مجالات مختلفة لا يتسع المجال لذكرها، مع الإشارة أيضاً إلى استقبالها المئات
من الجرحى الفلسطينيين في مستشفياتها ومراكزها الطبية.
على المستوى الإعلامي تُولي وسائل الإعلام
الإيرانية الرسمية والخاصة اهتماماً كبيراً بالقضية الفلسطينية، وتتابع عن كثب كلّ
ما يجرى من تطوّرات بخصوص هذا الملف، والبرامج والندوات واللقاءات التي تتحدّث عن
فلسطين ومظلوميّتها لا تكاد تنقطع عن الشاشات والمواقع والصحف الإيرانية، إضافة
إلى وجود عدد كبير من المراسلين الذين يعملون لصالح القنوات الإيرانية في كلّ
المدن الفلسطينية، وتغطية الأحداث والتطوّرات في تلك المدن لا تتوقّف، كذلك تقدّم
إيران دعماً مادياً مهماً للقنوات التلفزيونية الفلسطينية، والمؤسسات الإعلامية
المختلفة، وتكاد تتحمّل الجزء الأكبر من مصاريفها التشغيلية، ورواتب موظفيها
والتزاماتها الأخرى.
هذا الدعم الإيراني للقضية الفلسطينية يزعج إلى
حدٍ كبير العدو الصهيوني وحليفته الاستراتيجية الولايات المتحدة الأميركية، اللذين
يسعيان إلى إنهاء هذه القضية بكلّ ما للكلمة من معنى، ويعتبران أنّ دعم ومساندة الجمهورية
الإسلامية لها يقوّض جهودهما ويُفشل ويُسقط الكثير من مخطّطاتهما.
2/محاربة الطموح الإيراني:
منذ نجاح الثورة الإسلامية في الربع الأخير من
القرن الماضي، وبعد فرض العقوبات الأميركية الظالمة عليها، سعت إيران إلى وضع
نفسها في مصاف الدول الكبرى على مستوى العالم فيما يتعلّق بالحداثة والاقتدار، وقد
اعتمدت على قدراتها الذاتية، وعلمائها ومبدعيها في مختلف المجالات لتتجاوز أثر
العقوبات والحصار.
وقد نجحت خلال السنوات التي تلت الثورة في
تحقيق إنجازات علمية واقتصادية وعسكرية لافتة، قلّما نجد مثلها حتى في الدول التي
تملك إمكانيات مادية كبيرة، وموارد طبيعية هائلة.
على الجانب الاقتصادي يُعتبر الاقتصاد الإيراني
من بين أكبر 18 اقتصاداً على مستوى العالم، رغم ما تعانيه الدولة من حصار وحروب
مالية لم تتعرّض لها دولة أخرى في العالم، وقد بلغ حجم الناتج المحلي في العام
2025 نحو 665 مليار دولار، وهو ما يتجاوز حجم الناتج المحلي للكثير من الدول
الكبرى حول العالم.
على جانب موازٍ تمتلك إيران تاسع أكبر إنتاج
نفطي عالمياً، وثالث أكبر إنتاج للغاز الطبيعي، وهو ما يعطيها قوة إضافية تضعها في
مقدّمة الدول في هذا المجال الحيوي والهامّ.
علمياً تأتي إيران في المرتبة الخامسة عشرة
عالمياً على صعيد التطوّر العلمي والتكنولوجي، وهي رغم الحصار والعقوبات شهدت
نموّاً سريعاً في تكنولوجيا النانو، حيث تحتلّ المرتبة الرابعة عالمياً في نشر
الأبحاث العلمية في هذا المجال، أما على صعيد الذكاء الاصطناعي فتأتي إيران في
المرتبة الثانية إقليمياً.
في العلوم الطبية والخلايا الجذعية، أحرزت
إيران تقدّماً كبيراً وهائلاً في هندسة الأنسجة، والخلايا الجذعية، وبناء مدن
دوائية تكتفي منها البلاد ذاتياً بنسبة97%.
على صعيد الفضاء والطيران طوّرت إيران قدرات
ذاتية في صنع وإطلاق الأقمار الاصطناعية، وقد تمّ تصنيفها عالمياً ضمن الدول
القليلة التي تستطيع تطوير تقنيات خاصة بعلوم الفضاء، إضافة إلى امتلاكها لعدد من
الأقمار الاصطناعية مثل "نور وخيام وأوميد وظفر وبيام".
على المستوى العسكري يمكن رؤية التطوّر
الإيراني من خلال الردود الواسعة والنوعية على العدوان الأميركي-الإسرائيلي الذي
وقع صباح السبت الماضي، والتي أثبت لكلّ المشكّكين بنجاعة القدرات العسكرية
الإيرانية أنّ هذه الدولة ليست نمراً من ورق كما كان يعتقد أو يروّج مناوؤها
وأعداؤها.
في هذا المجال شهدت إيران ما بعد الثورة
تطوّراً هائلاً على صعيد إنتاج الأسلحة الدفاعية والهجومية، كان أبرزها في مجال
صناعة الصواريخ البالستية طويلة المدى، والصواريخ البحرية، وأنظمة الدفاع الجوي،
والصواريخ الذكية، إلى جانب النقلة النوعية على صعيد صناعة الطائرات المسيّرة،
والتي تُعتبر من الأفضل والأكفأ على مستوى العالم.
إلى جانب ذلك شهدت إيران تطوّراً ملحوظاً على
صعيد إنتاج الغوّاصات العسكرية، حيث تمتلك البحرية الإيرانية أسطولاً متنوّعاً من
الغوّاصات يجمع بين الغوّاصات الحربية الثقيلة من طراز "كيلو" للعمليات
العميقة، وعدد كبير من الغوّاصات الصغيرة مثل "غدير" و"فاتح" المصمّمة
للإبحار في المياه الضحلة، بهدف تنفيذ مهام استراتيجية مثل استهداف السفن البحرية
الكبرى لأعداء الدولة.
كلّ ما سبق من تطوّر هائل ولافت دفع أعداء
الجمهورية الإسلامية إلى محاولة إيقافه بكلّ السبل والوسائل، والتي وبعد فشل كلّ
أنواع الحصار والضغوطات الاقتصادية، والتضييق والمنع لجأت إلى العدوان العسكري
الواسع الذي نشهده حالياً، والذي تحاول من خلاله تعويض فشلها في إيقاف عجلة النمو
والازدهار والتقدّم للجمهورية الإسلامية الإيرانية.
3/ الثأر والانتقام:
في كثير من تصريحات القادة الأميركيين
والإسرائيليين تبدو الرغبة في الانتقام من الجمهورية الإسلامية في إيران واضحة
وجليّة، فهم يعتقدون أنّ كلّ الفشل الذي منيت به مشاريعهم ومؤامراتهم على شعوب
ودول المنطقة تقف وراءه إيران الثورة، والتي لم تنكر ذلك، فهي تعلن صراحة أنها تقف
إلى جانب قضايا المظلومين في المنطقة والعالم، وأنها ستستمر في مناوئة ومجابهة قوى
الاستكبار والاستعمار العالمي رغم ما تقدّمه من تضحيات.
في الكيان الصهيوني هناك اعتقاد جازم بأنّ كلّ
القدرات والإمكانيات التي بحوزة فصائل وقوى المقاومة في فلسطين ولبنان والعراق
واليمن هي من إيران، وأنّ كلّ الهزائم التي تلقّتها هذه "الدولة"
المارقة خلال مواجهتها مع تلك القوى والفصائل كانت بفضل تلك الوسائل، وبالتالي
باتت الرغبة في الانتقام من الجهة التي تموّل وتسلّح وتدعم جامحة ولا سيّما في ظلّ
الدعم الأميركي الواسع واللامحدود.
الأميركي من جانبه يشعر هو الآخر برغبة جامحة
في الانتقام، سواء من أجل الفشل الذريع الذي سبّبته له إيران في الكثير من
الساحات، أو بسبب ما يعتقد أنه مسؤولية إيرانية عن مقتل العشرات من جنوده في سنوات
خلت، وتحديداً ما جرى من مقتل241 جندياً من قوات المارينز الأميركيين في العام
1983 في العاصمة اللبنانية بيروت.
ومع أنّ القضاء الأميركي كان قد أسقط حكماً
يلزم البنك المركزي الإيراني بدفع تعويضات بقيمة 1.68 مليار دولار لعائلات جنود
قتلوا وأصيبوا في ذلك الهجوم، وهذا ما يُسقط الاتهام الأميركي بشكل كامل، إلّا أنّ
الرئيس دونالد ترامب قد عاد وذكّر بهذا الهجوم في سياق تبريره للعدوان على إيران،
متهماً إياها بأنها الجهة التي دعمت منفّذي الهجوم المذكور.
إضافة إلى الأسباب الثلاثة سابقة الذكر يمكن
إضافة البرنامج النووي السلمي الإيراني إلى قائمة الأسباب التي أدّت للعدوان على
إيران، مع أنّ كلّ المعطيات التي تعترف بها المنظّمة الدولية للطاقة النووية
والجهات المختصّة الأخرى تشير إلى عدم رغبة إيران في صناعة قنبلة نووية
للاستخدامات العسكرية.
على كلّ حال، وبما أنّ الحرب قد أصبحت أمراً
واقعاً، وبعد أن انتقلت من مرحلة التهديد والوعيد والضغوطات الاقتصادية، إلى
مواجهة مباشرة ربما تتّسع لتصبح حرباً إقليمية، وقد تتطوّر في حال وقوع أحداث
دراماتيكية خارج المألوف إلى حرب عالمية ثالثة، فإننا نعتقد بأنّ النصر لن يكون
حليف الأعداء، فهم وإن كانوا يمتلكون تفوّقاً عسكرياً وتكنولوجياً كبيراً، ويحوزون
على دعم وتأييد الكثير من دول الإقليم والعالم، إلّا أنهم يفتقدون للكثير من
المقوّمات التي تساعد على تحقيق النصر وفي المقدّمة منها المشروعية، والتي يعترف
حتى الأميركيون أنفسهم بأنها غير متوفّرة في هذه الحرب، وأنّ هذا العدوان جاء خدمة
لمصالح قوى اليمين المتطرّف في أميركا و"إسرائيل"، والتي كما يبدو ستُصاب بانتكاسة كبيرة في حال
فشلت الحرب الظالمة في تحقيق أهدافها.
نحن على ثقة بقدرة الشعب الإيراني العظيم،
وقيادته الإسلامية العزيزة على تجاوز هذا العدوان، وعلى إفشال كلّ مخططات الأعداء،
وعلى الوصول رغم حجم الخسائر والتضحيات بسفينة هذه الدولة العزيزة والمقتدرة إلى
شاطئ الأمان.
أحمد عبد الرحمن

