تشهد الساحة الدولية المعاصرة، منذ بدء الحرب في الشرق الأوسط في الـ7 من أكتوبر 2023، تحولات دراماتيكية في سلوك بعض المنظمات الإنسانية الدولية، ما يثير تساؤلات حول فعالية المرجعية القانونية في حماية المدنيين والكوادر الطبية. هذا التطور يعكس تحديات جديدة تواجه القانون الدولي الإنساني الذي تأسس لحماية الأفراد والحد من الآثار الإنسانية للنزاعات المسلحة.
تأسست اللجنة الدولية للصليب الأحمر في عام
1863 بمبادرة من هنري دونان بعد معركة سولفرينو، وهو حدث شكل منعطفًا حاسمًا في
تاريخ القانون الدولي الإنساني. فقد أسهم هذا التأسيس في نقل النزاعات المسلحة من
نطاق "السيادة المطلقة للقوة" إلى نطاق "التقييد القانوني
الإنساني"، ما مثل خطوة تأسيسية في الاعتراف بوجود حدود أخلاقية للحرب.
من رحم هذه المؤسسة ولدت اتفاقية جنيف الأولى
عام 1864، التي أرست مبدأ "الحياد الطبي" وحماية الجرحى من دون تمييز،
وهو ما أقرّ بأن للحرب حدودًا لا يجوز تخطيها. وأسهم الصليب الأحمر منذ ذلك الوقت
في إرساء مجموعة من المبادئ الأساسية للقانون الدولي الإنساني، يمكن تلخيصها في
ثلاث نقاط رئيسية:
1.تأسيس مرجعية قانونية: تحويل الأعراف
الأخلاقية والممارسات الإنسانية إلى نصوص ملزمة قانونيًا، مثل اتفاقيات جنيف
وبروتوكولاتها، ما جعل القانون الدولي الإنساني فرعًا مستقلًا وركيزة مركزية ضمن
القانون الدولي العام.
2. وضع حدود للآلام التي لا داعي لها: تمّ
إرساء مفهوم التناسب، والتوازن بين "الضرورة العسكرية"
و"الإنسانية"، حيث أصبح المدنيون محميين بموجب القانون، ويفترض التمييز
بينهم وبين المقاتلين، وكذلك إعطاء حقوق لغير المشاركين مشاركة مباشرة في الأعمال
العدائية وغيرها.
3. الحصانة الرمزية والمادية: حماية
الأعيان المدنية والطبية من خلال الشارات الدولية (الصليب الأحمر والهلال الأحمر)،
وجعل حماية الأفراد التزامًا قانونيًا على جميع أطراف النزاع.
حالة المسعف يوسف عساف في لبنان
أثارت حادثة استشهاد المسعف المتطوع يوسف عساف
خلال مهمة إنسانية في مجدل زون – قضاء صور، تساؤلات حول الحدود الفاصلة بين تطبيق
مبادئ الحياد من قبل المنظمات الدولية وتقويض فعالية الحماية القانونية.
أشارت التقارير وشهود عيان إلى أن استشهاد
المسعف جاء إثر غارة إسرائيلية متعمدة ثانية استهدفت طاقم الإسعاف بعد وصوله إلى
مكان الغارة الأولى، ما يجعل هذه الحادثة نموذجًا للاختبار العملي لمبادئ الحماية
الإنسانية.
أصدرت اللجنة الدولية للصليب الأحمر بيانًا
باللغتين العربية والإنجليزية، لم يذكر الجهة المسؤولة عن القتل، مكتفيًا بوصف
الحدث بشكل عام. هذا الأسلوب يثير التساؤل حول استخدام اللغة المبنية للمجهول في
توصيف الاعتداءات على الكوادر الطبية، وتأثير ذلك على إمكانية المحاسبة القانونية
لاحقًا.
إن عدم تحديد الفاعل يمكن أن يؤدي إلى تمويه
المسؤولية القانونية ويضعف مسارات المحاسبة الجنائية الدولية. فوفقًا للمادة (24)
من اتفاقية جنيف الأولى والمادة (18) من الاتفاقية الرابعة، تتمتع فرق الإسعاف
بحماية مطلقة، وتفرض المادة (15) من البروتوكول الإضافي الأول (1977) مسؤولية
واضحة على أطراف النزاع بعدم التعرض لهم. كما يندرج استهداف فرق الإسعاف تحت
المادة 8 (2)(ب) من نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية كجريمة حرب مكتملة
الأركان، مع العلم أن استهداف فرق الإسعاف عبر الغارات المزدوجة بات نمطًا متكررًا
في الحروب الإسرائيلية في لبنان وغزة.
وعليه، إن تغاضي البيان عن تحديد الفاعل قد
يفضي ضمنيًا إلى إضعاف قوة هذه المواد القانونية، ويترك مجالًا لتكرار الانتهاكات
من دون مساءلة واضحة، خصوصًا في ظل ما بات يعرف بـ"الغارات المزدوجة"
الإسرائيلية التي تستهدف المسعفين بعد وصولهم إلى مكان الغارة الأولى، والتي قد
تشكّل سابقة تؤدي إلى استخدامها في الحروب المعاصرة، وتضعف القواعد القانونية
الراسخة التي تحظرها.
مفهوم الحياد في الممارسة الإنسانية
لطالما كان "الحياد" الركيزة
الأساسية التي تسمح للصليب الأحمر بالوصول إلى مناطق النزاع وتأمين حماية الضحايا.
ومع ذلك، يجب التأكيد أن الحياد ينبغي ألا يتحول إلى غاية في حد ذاته، بل يجب أن
يبقى أداة لضمان حماية الإنسان وفرض الالتزام بالقانون الدولي الإنساني على جميع
أطراف النزاع.
وعليه، إن تبني لغة غامضة أو
"رمادية" في توصيف الانتهاكات قد يضعف الحماية الخاصة للطواقم الإنسانية،
ويؤسس لسابقة تؤثر على تطبيق القانون الدولي الإنساني في النزاعات المستقبلية. كما
أن هذا الأسلوب قد يؤدي إلى خلق عرف دولي جديد يضعف قوة الحماية القانونية للكوادر
الطبية ويشرع استهداف فرق الإغاثة كأمر واقع.
ختاماً، تعكس تجربة حرب غزة وبعدها لبنان أن تحديات
معاصرة تواجه المبادئ الإنسانية الأساسية، خصوصًا في سياق النزاعات المسلحة
الحديثة. إن الجمع بين الحياد والوضوح القانوني ضروري للحفاظ على مصداقية المنظمات
الإنسانية وضمان حماية المدنيين والمسعفين. كما أن الالتزام الصارم بالقوانين
الدولية، مع التعبير الواضح عن المسؤوليات، يسهم في تعزيز المرجعية القانونية
الدولية وحماية الحقوق الإنسانية في زمن الحروب.
ليلى نقولا

