حين تنطلق الصواريخ نحو أراضي الجمهورية الإسلامية، يبدأ في التوقيت نفسه اعتراض صدّ موازٍ لا يُحدث دويّا ولا يترك أثراً مرئياً في البنى، لكّنه يعمل بمنهجية صارمة على تشكيل الإدراك العربي، ويُعيد ترتيب زوايا الرؤية قبل أن تستقر الصورة في العقول.
هذا الهجوم الموازي تضطلع به منصات إعلامية في
عواصم عربية بعينها، تعمل بلغة مصقولة وأصوات احترافية وبنية تحريرية تُوهم
المتلقي بالموضوعية، غير أنّ مآلاتها تنتهي إلى وجهة واحدة وهي: تأطير العدوان
الاسرائيلي- الأميركي على إيران بوصفه استجابة مشروعة، وتقديم المُعتدى عليه بوصفه
مصدراً للاستفزاز وجذراً للأزمة، في انقلاب كامل على المنطق الأخلاقي والمهني الذي
يقوم عليه العمل الصحافي والإعلامي الذي مارسناه وخبرناه في الأصول والفروع، سواء
أكان كلاسيكياً أم رقمياً ذكياً.
وما يجعل هذا الانقلاب بالغ الخطورة، أنّه لا
يتمظهر بصورة فجّة مكشوفة تستفز الوعي النقدي وتستدعي المراجعة فحسب، بل يتسلل في
هيئة تحليل رصين وتغطية متوازنة الشكل، منحازة الجوهر، تُحكم قبضتها على المتلقي
من دون أن يشعر بثقل تلك القبضة.
إنّ ما يمنح هذا الأداء الإعلامي خطورته
الاستثنائية؛ أنه لا يُعلن انحيازه صراحة، بل يُمرّره من خلال آليات ناعمة أكثر
فاعلية من الإعلان المباشر، وأشد أثراً في الوجدان الجمعي.
أولى هذه الآليات: هي سلطة الانتقاء. إذ لا
يكذب هذا الإعلام بالضرورة بل يختار ما يقوله وما يتجاوزه، من يستضيفه ومن
يُغيّبه، وأي زاوية يُضيء عليها، وأيُها يتركها في العتمة المريحة.
وهذا الانتقاء المُحكم هو في حدّ ذاته رسالة
تحريرية كاملة لا تحتاج إلى تعليق صريح، إذ يُوصل إلى المُشاهد صورة مُركّبة
سلفاً، تُقدّم الضربات العسكرية على الجمهورية الإسلامية في إطار يَشي بأنها حوادث
يمكن فهمها ضمن سياق مقبول، لا جرائم تستوجب المساءلة في القانون الدولي وتستدعي
الموقف الأخلاقي الصريح.
ويتجلى هذا الانتقاء بوضوح أزيد من ذي قبل، في
طريقة إدارة الحوارات التحليلية التي تستضيف الخبير الغربي والمحلل الموالي
للسردية الأميركية- الإسرائيلية بوصفهما مرجِعينِ محايدينِ، فيما يُقدَّم الصوت
الإيراني - إن وجد - بوصفه طرفاً في النزاع لا صاحب حُجة تستحق الاستماع.
وثانية هذه الآليات: هي لغة التأطير نفسها؛ ففي
لحظة تحديد المصطلح تُحسم المعركة الإدراكية قبل أن تبدأ، فالضربة التي يُسميها
القانون الدولي عدواناً صريحاً على دولة ذات سيادة مثل (إيران) تتحول على هذه
الشاشات إلى "عملية استباقية" أو "رد فعل حتمي" أو "ضربة
جراحية دقيقة".. الخ، وكل مصطلح من هذه المصطلحات وسواها يحمل في طياته حكماً
أخلاقياً مُضمراً يُعفي المُعتدي من المسؤولية ويُحمّلها للضحية.
فالعين العوراء للإعلام المُؤدلج تصف الصاروخ
الإيراني الذي ينطلق دفاعاً عن أرضه بالتصعيد والمغامرة والتهور، في حين يذهب وصف
تلك العين إلى الصاروخ الإسرائيلي- الأميركي بأنه يعالج خطأً في لغة الحسابات
الاستراتيجية والضرورة الأمنية، ما يُرسّخ في الوعي الجمعي معادلة مقلوبة تجعل
الدفاع تهديداً والعدوان استجابة، وهذا التفاوت اللغوي المُبرمج ليس اجتهاداً
تحريرياً اعتباطياً؛ بل هو سياسة تحريرية ممنهجة تنبع من توجه سياسي واضح ومن
ارتباطات مؤسساتية لا يُمكن إخفاؤها على المدى البعيد.
وثالثة هذه الآليات: هي إدارة الصمت بوصفه
أداةً تحريرية لا تقل فاعليةً عن الكلام. فثمة وقائع وتصريحات وأرقام ضحايا
واستهداف للبنى التحتية المدنية منها والعسكرية، تحتاج إلى حجم بثٍ يتناسب مع
ثقلها، لكنها تمر في هذه المنصات على استحياء، لا تستوقف المشاهد، ولا تمنحه الوقت
الكافي لاستيعاب أبعادها.
فحين تُختزل الخسائر البشرية الإيرانية في سطر
واحد بعد دقائق طويلة من تحليل "الأهمية الاستراتيجية للعملية العسكرية ضد
النظام الإيراني" كما يصطلحون عليها، فهذا الاختزال يحمل في صمته رسالة
مُضمرة تُهوّن من شأن الدم المُراق، وتُقلل من إنسانية الضحية في وجدان المتلقي
الذي يتلقى إشاراته العاطفية من مدة التغطية وطريقة تقديمها قبل أن يتلقاها من
مضمون الكلام.
وإذا تعمقنا أكثر في المشهد الإعلامي فسنجده
يكتسب أبعاداً أكثر تركيباً، حين تُستحضر الذاكرة التاريخية القريبة التي لا ينبغي
طيّها أو تجاوزها، عندما شنّ ما يُسمى التحالف الأميركي حربه على العراق مطلع
القرن الحالي، كانت الأراضي الخليجية هي القواعد نفسها التي انطلقت منها الطائرات،
وتمركزت فيها القوات وأُديرت منها العمليات العسكرية التي أسقطت دولة عربية ذات
سيادة وشتّتت مجتمعها وأشعلت فيها حرائق ما تزال تتقد حتى اليوم. وبالتوازي مع ذلك
الدور الجغرافي، كان الإعلام الإقليمي يؤدي وظيفته في تهيئة الرأي العام العربي
وتليين مقاومته الإدراكية، مُقدّماً العدوان في سياقات مقبولة ومُسوّغة، ومُحجماً
الأصوات التي ترفضه وتُشكك في مشروعيته.
هذه السابقة العراقية أسّست للنموذج الذي يتكرر
اليوم في العدوان على الجمهورية الإسلامية بتفصيلات مختلفة وأدوات أكثر تطوراً،
لكن بالمنطق التشغيلي نفسه: الأرض والأثير في خدمة منظومة العدو (الأميركي-
الإسرائيلي)، والشعوب العربية والمسلمة تقف في الخندق الأوحد الذي لا يجد من يدافع
عنه في مواجهة آلة حرب تُتقن توظيف جغرافيتها وإعلامها في آنٍ واحد.
واللافت للنظر أن هذا التوافق بين الدور
الجغرافي والدور الإعلامي؛ لم يعد يحتاج إلى استنتاج معقّد أو تأويل متكلّف، بل
بات واضحاً لمن تأمّل الصورة في مجملها بعيداً عن ضجيج الشاشات وكثافة الخطاب
اليومي.
فالمنصة الإعلامية التي تُقدّم الضربات على
الجمهورية الإسلامية في إطار الاستحقاق والحتمية الاستراتيجية؛ هي في الغالب وثيقة
الصلة بعواصم "عربية" أتاحت قواعدها أو أجواءها لهذا العدوان، بما يجعل
الإعلام والجغرافيا وجهين لسياسة واحدة تُدار بقرار واحد، ويصعّد بهذه المنصات من
مستوى الانحياز التحريري إلى مستوى المشاركة الفعلية في منظومة حرب متكاملة
الأبعاد، تستهدف الأرض والوعي في الوقت نفسه. ولعلّ هذا الوجه هو الأشد مرارة في
هذه المعادلة: أن تكون المنصة الإعلامية التي تُخاطب العربي بلغته وتستدعي انتماءه
وتتحدث بمفرداته قد تحوّلت إلى أداة في خدمة مشروع يستهدف محيطه الجغرافي
والحضاري، والإسلام برمته بسُنته وشيعته كما يقول المجرم نتنياهو.
غير أن الطبقة الأعمق في هذا المشهد وأشدها
إثارة للقلق؛ هي ما يتعلق بالصمت المُدوّي للمؤسسات الإسلامية الرسمية أمام تصريح
من العيار الثقيل لنتنياهو، فهو بصراحة فاق كل ما سبق: إنه يخوض حرباً على الإسلام
سُنّة وشيعة!، في اختزال عقدي صريح لا يُفرّق بين المذاهب ولا يُقيم اعتباراً
للحدود الجغرافية ولا يترك مجالاً للتأويل أو الاحتواء. هذا الإعلان الذي كان
ينبغي بمنطق الوازع الديني أن يُحرّك منظومة التضامن الإسلامي من أقصاها إلى
أقصاها، وأن يُفجّر ردود أفعال رسمية وشعبية غير مسبوقة، مرّ في الفضاء العربي
والإسلامي مرور الحادثة العابرة التي لا تستحق وقفة طويلة، وهي الوقفة المتفرجة
نفسها على بلد إسلامي يُحارب نيابة عن حياض الإسلام والمسلمين.
وما أثاره التصريح لمجرم الحرب نتنياهو في بعض
الشاشات العربية لم يتجاوز التغليف التحليلي الذي يضعه في سياق الخطاب الداخلي أو
التوظيف الانتخابي، في محاولة واضحة لاحتوائه وتفتيت أثره قبل أن يتحول إلى وقود
للاستنكار الجمعي، الذي قد يُربك المشهد السياسي الذي تسعى هذه المنصات إلى صونه
خدمة لولي أمرها "الحاكم".
وهنا يتكشف لنا المشهد الأكثر إيلاماً في هذه
المعادلة الإعلامية الراهنة، إذ إن تلك الهيئات والمؤسسات التي تتصدر التمثيل
الإسلامي الرسمي وتُحسن صياغة البيانات وتُجيد الحضور في مناسبات التضامن الرمزي،
وقفت بحساسية منقوصة ولغة مائعة أمام إعلان حرب صريح تستهدف الإسلام بنصّه وروحه.
وهذا هو التناقض الصارخ بين الحضور المؤسساتي
الكثيف في هوامش القضايا وغياب الموقف الفاضح في متونها الكبرى؛ يكشف عن أزمة
بنيوية عميقة تمسّ صدقية هذه المؤسسات، وتطرح تساؤلاً مشروعاً حول طبيعة الاشتراطات
السياسية التي تُحكم قراراتها وتُقيّد استقلاليتها في لحظات الاستحقاق الكبرى،
التي كُلّفت أصلاً بالوقوف عندها والتحدث باسم الأمة الإسلامية فيها. فإذا كانت
هذه المؤسسات عاجزة عن استنكار إعلان حرب صريحة على الإسلام، فما الذي تحتفظ به من
رصيد ديني- أخلاقي يُبرر ادعاءها تمثيل المسلمين والتحدث بصوت قضاياهم؟
إن ما يُؤسّس لخطورة هذا النمط الإعلامي
والمؤسساتي المزدوج على المدى البعيد ليس تأثيره الآني على تغطية حدث بعينه، بل
تأثيره التراكمي في إعادة رسم خرائط الجغرافيا الإسلامية في الوجدان العربي
والإسلامي معاً، وفي إنتاج جيل من المُتلقّين يستوعبون العدوان بوصفه معطى طبيعياً
لا يستدعي الغضب ولا يستوجب الموقف، عندما ينجح الإعلام في إقناع الجمهور بأن ما
يتعرض له المسلمون في إيران هو نزاع إقليمي ذو طابع "شيعي" مذهبي لا
يعنيه، بينما يُعلن المعتدي صراحة أن حربه على الإسلام كله، فهو لا يُفسّر الحدث
بل يُعيد هندسة الهوية الجمعية وفق معادلات رُسمت في غرف استخبارية بعيدة تماماً
عن همّ الأمة ومصالحها الحقيقية.
وهنا لابدّ أن نوقظ ما بقي من ضمير أولئك، بأنّ
الضحية الأولى في هذه المعادلة ليست الجمهورية الإسلامية وحدها، بل هو الوعي
العربي- الإسلامي المُستَلب الذي يقف صامتاً أو يُصفّق؛ بينما تُشنّ حرب مُعلنة
باسمه وعلى حسابه وبأدوات تستمد مشروعيتها جزئياً من صمته هو.
مُستخلص القول، أنّ الإعلام الذي يُمارس دوره
بأمانة لا نطالبه بأن يكون مُحابياً أو مدافعاً عن طرف (الله الغني)، لكنه مُطالَب
بما هو أبسط وأكثر أصالة وأعمق مهنية: أن يُسمّي الأشياء بأسمائها، وأن يضع
العدوان في موقعه من المنظومة الأخلاقية والقانونية، وأن لا يُقدّم إعلان الحرب
على الإسلام من بوابة نظام الجمهورية الإسلامية بوصفه تعليقاً هامشياً أو في ذيل
نشرة الأخبار، فضلاً عن المؤسسات الإسلامية الرسمية فإنها مُطالَبة بما هو أبسط
أيضاً: أن تتذكر لأيّ غاية أُسّست ومن أيّ تفويض استمدت شرعيتها، وأن تُدرك أن
الصمت في مواجهة إعلان الحرب على الإسلام ليس دبلوماسية حكيمة؛ بل هو تخلٍّ صريح
عن الأمانة التي في أعناقهم. فحين يُهدر هذا الدور وتتحوّل المنصة الإعلامية
والمسؤول الرسمي والديني من شاهد على الحدث إلى أداة في خدمته، لا تخسر الأمة
دينها وعقيدتها وأتباعها وحسب، بل تخسر بوصلتها في أحلك لحظات الاستحقاق التاريخي.
وللمنصات الإعلامية أقول: إنّ هذه الخسارة إنْ
حدثت لا سمح الله؛ لا يعوّضها بثٌّ مستمر ولا أرقام مشاهدة مرتفعة ولا جوائز
مهنية، لأن الضمير المهني حين يُفقد لا تُعيده أي شاشة مهما بلغ سطوعها ولا أي
منبر مهما علا صوته، وما يبقى بعد ذهابه هو الصمت الذي يُدين أصحابه أمام الله
والتاريخ قبل أن يُدينهم أمام الأجيال.
محمد الخزاعي

