أدخلت الحرب التي شنّها الرئيس الأميركي دونالد ترامب على إيران في الـ28 من شباط/فبراير 2026 المشهد السياسي الأميركي في مرحلة غير مسبوقة من الانقسام الداخلي، ولا سيما داخل الحركة التي أوصلته إلى السلطة مرتين: حركة "ماغا" (جعل أميركا عظيمة مرة أخرى).
شكّلت حركة
"ماغا" تجسيداً للشعبوية اليمينية منذ 2016 وهي تواجه اليوم أول اختبار
وجودي يهدد تماسكها الداخلي وفاعليتها السياسية، ومستقبلها كحركة "وطنية
محافظة" حققت انتصاراً كاسحاً في الانتخابات الرئاسية والكونغرس عام 2024.
1- تفكك القاعدة الصلبة
أظهرت استطلاعات الرأي
المختلفة أن رفض الحرب على إيران كان كبيراً داخل قاعدة ترامب حتى قبل نشوبها،
وكانت الأصوات قد بدأت تتصاعد ضد الانخراط في الحروب في الشرق الأوسط منذ ما بعد
حزيران 2025 (حين اشترك ترامب مع إسرائيل في ضربات على ايران).
وبعد الحرب، تم رصد
مؤشرات لافتة على تراجع الحماسة الشعبية لخطاب ترامب العسكري، حيث تحدثت تقارير
إعلامية عن صمت تام من قبل جمهور "ماغا" عند إعلانه "لقد
انتصرنا" في إحدى مناسبات كنتاكي (13 آذار 2026)، ورغم أن المناسبة كانت
مخصّصة لأنصاره المخلصين، هذا الاستقبال الفاتر يعكس بداية شرخ نفسي بين ترامب
وقاعدته التي لطالما تعاملت معه بوصفه زعيماً كاريزماتياً ملهماً.
ومن بين أبرز ركائز
الخطاب الترامبي السابق كان خطاب "الدفاع عن الأميركي العادي". لكنّ
الانتقادات حول ارتفاع أسعار الوقود، جعلت مستشار ترامب الاقتصادي هاسيت يقول إن
"تأثر المستهلكين بحرب إيران هو آخر هموم الإدارة حالياً"، وهو تصريح
أثار سخطاً واسعاً لدى جمهور عريض، خاصة لدى الفئات الشعبية التي تعتبر ماغا ممثلة
لها.
وهكذا، فإن هذه الحرب
وما قبلها والأصوات المعارضة، أظهرت أن الحركة لم تتوحد خلف ترامب كما جرى في
قضايا أخرى، بل عاشت انقساماً بنيوياً بين تيار قومي–أميركا أولاً، وتيار تدخلي –
المحافظون الجدد المتهمون بأنه تيار "إسرائيل" أولاً.
ولم يقتصر الانقسام
على الحزب الجمهوري وحركة ماغا فقط، بل شمل الدائرة الضيقة حول الرئيس الأميركي،
حيث أشارت تقارير صحافية إلى وجود "ندم" داخل فريق ترامب، واعتقاد بأن
الرئيس قد بالغ في تقدير قدرته على تحقيق "نصر سريع" بناءً على النجاحات
العسكرية السابقة، خاصة في فنزويلا.
وبحسب تقرير حصري
لوكالة رويترز، فإن الصراع داخل الإدارة أدّى الى شلل وتخبط استراتيجي، حيث يحث
المستشارون الاقتصاديون والسياسيون ترامب على إعلان نصر سريع ومحدود لتجنب المزيد
من الضرر، بينما يضغط المتشددون من أجل ممارسة ضغط عسكري مستمر واستكمال الحرب.
2- مستقبل حركة ماغا- الترامبية:
وفي ظل تكهنات تشير
الى أن الحركة ومعها الحزب الجمهوري سيخسران في الانتخابات النصفية للكونغرس عام
2026، فإن سيناريوهات متعددة تطرح لمستقبل الحركة ككل.
تُشير معظم المؤشرات
إلى أن ماغا ستستمر كتيار سياسي واجتماعي طويل الأمد، لكن ليس ككتلة متجانسة. حيث
ستتفرع إلى تيار قومي– أميركا أولاً يعارض التدخلات الخارجية، وتيار محافظ– تدخلي
يروج استخدام القوة الأميركية في العالم.
وضمن هذا الانقسام،
سيحاول تيار أميركا أولاً أن يجد شخصية تحاول الحفاظ على "جوهر ماغا"
وتتملص من الحرب على إيران، حيث تنتقل الزعامة داخل الحركة لمن يتمكن من التوفيق
بين القومية الشعبوية والابتعاد عن الحروب. ويطرح في هذا الإطار اسم نائب الرئيس
الأميركي جي دي فانس، لكن شخصية ترامب التي تطلب ولاءً تاماً تجعل من الصعب على
فانس أن يتملص من تأييد الحرب أو يحيّد نفسه عن قرارات ترامب "الخاطئة"
بنظر هؤلاء.
في المقابل، ولكي
يحافظ على قاعدته، وفي حال فشلت الحرب ضد إيران في تحقيق نتائج واضحة، قد يعمد
ترامب إلى إنتاج سردية تآمرية حول دور "الدولة العميقة" أو
"الحلفاء المتخاذلين"، في محاولة قد تسمح ببقاء الحركة على المدى
البعيد. وهنا، قد تتحول الترامبية إلى هوية ثقافية مرتبطة بمظلومية سياسية أكثر من
كونها مشروع حكم ثابت ينطلق من "أميركا اولاً".
في الخلاصة، تواجه
حركة ماغا اليوم أكبر اختبار في تاريخها. فالحرب على إيران لم تحقق حتى الآن
"الاستثمار السياسي" الذي كان ترامب يعوّل عليه، بل عمّقت الانقسامات
داخل الحزب الجمهوري، وأضعفت الثقة الشعبية بقيادته، وهددت الركائز الاقتصادية
التي استند إليها خطابه الشعبوي.
هذا قد لا يؤدي
بالضرورة إلى نهاية الحركة كلياً في الولايات المتحدة، بل يشير إلى تحولها
البنيوي. قد تتحول الحركة من ظاهرة انتخابية موحدة إلى تيار سياسي متعدد الأجنحة،
قد يستمر في السياسة الأميركية، لكنه لن يبقى على الصورة التي عرفها العالم بين
2016 و2024.
ليلى نقولا

