خلال الأيام الأولى للحرب الإسرائيلية–الإيرانية، تحوّل الصراع من تبادل ضربات عسكرية إلى مواجهة متعددة المستويات تجمع بين القوة العسكرية، الحرب النفسية، السياسة الدولية، الاقتصاد العالمي، والتحولات الإقليمية. وقد أصبح واضحًا أن عنصر الزمن يشكل الصراع الحقيقي الذي سيحدد نتائج المواجهة واستراتيجيات الأطراف.
أولاً: ضرب رأس النظام وإضعاف القيادة
الإيرانية
بدأت الحرب بضربة افتتاحية مكثفة استهدفت
المرشد الأعلى الإيراني السيد علي خامنئي، رحمه الله، وكبار القيادات السياسية
والعسكرية، في محاولة لإحداث خلل إستراتيجي في منظومة القيادة والسيطرة الإيرانية.
الرهان الإسرائيلي–الأميركي كان على تحريك
الشارع الإيراني بعد اغتيال المرشد، وخلق حالة ضغط داخلي على النظام، ما يسرع
سقوطه أو فرض تغيير داخلي.
لكن استمرار إطلاق الصواريخ الإيرانية بعد
الضربة الأولى، وخروج الجماهير الإيرانية إلى الشارع منددة باغتيال المرشد، كشف أن
القدرة العسكرية والسياسية للنظام لا تزال قائمة، وأن الرهان على سقوط النظام
بسرعة عبر تحرك شعبي لم يتحقق، ما يجعل الحرب اختبارًا عمليًا لمدى تأثير الضربات
على العمق السياسي والأمني الإيراني.
ثانيًا: الحرب النفسية والإعلامية كأداة
استراتيجية
الإعلام الإسرائيلي لعب دورًا حاسمًا في إدارة
الحرب النفسية داخليًا وخارجيًا:
داخليًا: الحفاظ على الروتين المدني، تأمين
الملاجئ، وطمأنة الجمهور الإسرائيلي بأن الدولة قادرة على الصمود، من أجل كسب أطول
زمن ممكن لعمر هذه الحرب بعيداً من الضغوطات الداخلية.
خارجيًا: توجيه الرسائل إلى الشعب الإيراني،
إبراز الانقسامات داخل النظام، وتشجيع احتمالات الاحتجاج الشعبي ضد النظام.
هذا التنسيق بين الإعلام الإسرائيلي والضغط
الأميركي يعكس استراتيجية متكاملة لتحويل الحرب إلى مواجهة نفسية وسياسية إلى جانب
العسكرية، بهدف تهيئة الأرضية لإسقاط النظام أو إضعافه بشكل مؤثر.
ثالثًا: البعد الاقتصادي العالمي
تحوّلت الحرب سريعًا إلى محور اقتصادي عالمي:
تهديد إيران بإغلاق مضيق هرمز تسبب بارتفاع
أسعار النفط، واضطراب حركة الشحن البحري، ما أعاد قضية الطاقة إلى قلب أولويات
القوى العالمية.
الهجمات على ناقلات النفط والمنشآت البحرية
أضافت بعدًا استراتيجيًا، إذ أصبح الصراع أداة ضغط عالمي وليس محلي فقط.
تدخل الولايات المتحدة والدول الأوروبية لحماية
الملاحة البحرية يعكس إدراكًا أن استمرار الحرب قد يعيد تشكيل أسواق النفط
والأسواق المالية الدولية، التي سرعان ما استجابت سلبياً لمجريات الحرب، ما يربط المسار العسكري بالحسابات الاقتصادية
الاستراتيجية.
رابعًا: التحولات الإقليمية وتعدد الجبهات
مع اليومين الأولين، دخلت الحرب مرحلة إقليمية
متسعة:
دخول حزب الله في المواجهة من لبنان أضاف جبهة
جديدة، ما زاد الضغط على الدفاعات الإسرائيلية ورفع درجة التعقيد التكتيكي، وساهم
في زيادة الضغط على الجبهة الداخلية الإسرائيلية سواء من خلال إطلاق الصواريخ
والمسيرات، أو من تهديده لمستوطنات شمال فلسطين المحتلة.
تحركات الفصائل الكردية داخل العراق وإيران،
بدعم أمني من "إسرائيل" والولايات المتحدة، مثلت بداية الحرب بالوكالة،
تهدف إلى استنزاف النظام الإيراني داخليًا من دون الحاجة إلى اجتياح بري مباشر.
التدخل الأميركي والضغط الأوروبي خاصة من فرنسا وبريطانيا اللتين أرسلتا قوات
عسكرية إلى المنطقة، مع تعزيز الدفاعات في الخليج أظهر أن الحرب أصبحت محور اهتمام
دولي واستراتيجي، مع تأثير مباشر على موازين القوى الإقليمية.
خامسًا: الصراع على الزمن – جوهر المواجهة
عنصر الزمن أصبح المحور الأساسي في هذه الحرب:
الولايات المتحدة تسعى إلى حسم سريع، عبر استخدام كل مستويات
الضغط العسكري والاقتصادي والإعلامي على إيران بشكل متسارع، لتجنب فقدان شرعية
الحرب في الداخل الأميركي وتحوّلها إلى ورقة ضغط على الرئيس دونالد ترامب وخاصة مع اقتراب الانتخابات التصفية للكونغرس،
ناهيك بضغوطات الخارج من حلفائه في المنطقة الذين باتت أراضيهم ساحات رماية
للصواريخ والمسيرات الإيرانية.
"إسرائيل" تراهن على كثافة الضربة
النوعية المباشرة، لكنها تواجه تحديات زمنية تتمثل في الحفاظ على الجبهة الداخلية،
إدارة الدفاعات، وتأمين حياة طبيعية نسبية للمواطنين في مواجهة صواريخ إيران وحزب
الله، ورغم الاتجاه المتفائل الذي تحاول تسويقه داخلياً، إلا أن استمرار صفارات
الإنذار يقلل من حجم إمكانية الحياة الطبيعية في ظل الحرب.
إيران تراهن على نفاد صبر الأطراف المعتدين
عليها واستغلال محدودية الموارد والضغط النفسي، عبر استمرار عمليات الصواريخ
بطريقة متدرجة لإطالة الزمن ورفع تكلفة الحرب على الولايات المتحدة و"إسرائيل".
باختصار، كل طرف يسعى لفرض إيقاعه الزمني على
الآخر: الأميركي–الإسرائيلي يريدون سرعة وحسماً، والإيراني يسعى لاستنزاف الطرفين
وإطالة الصراع، ما يجعل عنصر الزمن محورًا استراتيجيًا يحدد طبيعة المواجهة
القادمة، سواء كان حسماً سريعاً أو حرب استنزاف طويلة.
أيام الحرب الأولى أظهرت أن المواجهة ليست
محصورة في الضربات العسكرية وحدها، بل هي حرب شاملة متعددة الأبعاد.
لكن تماسك النظام الإيراني قد يفتح مساراً
سياسياً مغايراً لأهداف الحرب، بحيث تتحوّل من إسقاط النظام إلى إضعاف مركز القرار
والسيطرة الإيرانية إلى الحد الذي يتيح نفوذًا استراتيجيًا لأميركا، مع توظيف
الضغط الداخلي والخارجي على الإيراني من خلال فكرة تجزئة وتقسيم الجغرافيا
السياسية الإيرانية من قبل مجموعات انفصالية من الداخل.
لكن هذا سيخلق فجوة بين الموقف الأميركي وبين
الإسرائيلي الذي يريد انتهاز (الفرصة الذهبية) _ دخول أميركا الحرب بجانبه_ كما توصف
في "اسرائيل"، وحسم قضية إسقاط النظام بالكامل وإزالة الخطر
الوجودي الإيراني بالمطلق.
لكن، يبقى الفيصل في هذه الحرب قدرة صمود
الأطراف، وخاصة الإيراني وقدرته على
الحفاظ على زخم ونوع الصواريخ التي تضرب العمق الإسرائيلي من قبل إيران وحلفائها،
والحفاظ على التفاف الشعب الإيراني حول قيادته ونظامه في ظل الضغوطات الأميركية-
الإسرائيلية المهولة متعددة المستويات.
حسن لافي

