أخر الاخبار

الشهيدة فاطمة فتوني: ضحية عقيدة "العمى القسري" الإسرائيلية

 


جاء استهداف "جيش" الاحتلال الإسرائيلي للصحفيين؛ علي شعيب (قناة المنار)، وفاطمة فتوني ومحمد فتوني (قناة الميادين) في منطقة جزين، ليعيد التأكيد على أن اغتيال الكلمة والصورة هو ركن أصيل في العقيدة القتالية الإسرائيلية.

إن هذا الاعتداء الذي أدى إلى استشهاد الاعلاميين الثلاثة يرفع حصيلة الضحايا من الجسم الإعلامي في لبنان إلى مستويات خطيرة، تتماهى تماماً مع النمط الإجرامي الذي تنتهجه "إسرائيل" في قطاع غزة منذ تشرين الأول / أكتوبر 2023.

في وقت سابق، أجمعت المنظمات الدولية على أن قطاع غزة تحوّل الى "المكان الأخطر في العالم" للصحفيين، وأفادت منظمة مراسلون بلا حدود في تقريرها السنوي لعام 2025 بأن "إسرائيل" كانت المسؤولة عن مقتل نحو نصف الصحفيين الذين قُتلوا عالمياً في ذلك العام، واصفة "الجيش" الإسرائيلي بأنه "أكبر قاتل للصحفيين" للعام الثالث على التوالي.

 كذلك شهد القطاع الصحي في غزة، استهدافاً ممنهجاً أدى إلى انهياره شبه الكامل في فترات معينة، ووثقت منظمة الصحة العالمية حتى نهاية عام 2025 وأوائل 2026 مقتل أكثر من 800 كادر طبي (بين طبيب، ممرض، ومسعف ميداني) جراء الهجمات المباشرة على المنشآت الصحية وسيارات الإسعاف، في خروقات وثقتها المنظمة كـ "استهدافات متعمدة".

وفي حربها العدوانية على لبنان، بات واضحاً أن "إسرائيل" تتعمد استخدام "نمط متكرر" يتجاوز الجغرافيا؛ أي اعتماد نسخة طبق الأصل عما حصل في غزة. إن الاستهداف الاسرائيلي الممنهج لا يقتصر على الصحفيين، بل يطال المسعفين الذين استُشهد العشرات منهم في لبنان خلال الأسابيع الأخيرة (لاسيما في مجزرة برج قلاويه وغيرها)، وهم بملابسهم الرسمية وشاراتهم الدولية المحمية بموجب اتفاقيات جنيف والبروتوكولات الإضافية.

وترافق "إسرائيل" هذه الاغتيالات الجسدية بسياسة "شيطنة الضحايا"، فبمجرد تنفيذ عملية الاغتيال، تسارع الآلة الإعلامية والعسكرية الإسرائيلية إلى وصم الصحفي أو المسعف بصفات عسكرية أو اتهامه بالانتماء لتنظيمات مسلحة، في محاولة لشرعنة الجريمة قانونياً، والتهرب من توصيف "جريمة الحرب" التي تلاحق قادتها في المحاكم الدولية.

الأهداف الاستراتيجية لسياسة الاغتيال الممنهج

إن إصرار "إسرائيل" على استهداف "المسعف والصحفي" يهدف إلى تحقيق غايات استراتيجية أبرزها:

- فرض "العمى القسري" على الميدان: تسعى إسرائيل من خلال تصفية الصحفيين إلى منع وصول الصورة الحقيقية لما يرتكبه جيشها من جرائم حرب واستهداف للمدنيين. إن غياب "الشاهد" (الصحفي) يمنح الاحتلال فرصة أكبر للتلاعب بالرواية، ونشر أخبار مضللة دون وجود من يفندها ميدانياً. بالإضافة الى ذلك، هي تريد أن تمنع الصحفيين من نقل أخبار الميدان، خاصة وأن جيشها يقوم بالتعمية على خسائره في الميدان، ويُخضع كل ما ينشره الاعلام الإسرائيلي للرقابة.

- كسر إرادة الصمود المجتمعي: يمثل المسعف شريان الحياة الأخير للمدنيين في مناطق النزاع. باستهداف الكوادر الطبية وسيارات الإسعاف، تهدف إسرائيل إلى إيصال رسالة ترهيب مفادها أن "لا حماية لأحد"، مما يدفع السكان للنزوح القسري ويؤدي إلى انهيار منظومة الأمان الاجتماعي، وهو ما يندرج ضمن سياسات العقاب الجماعي.

- الإفلات من العقاب عبر غياب التوثيق: إن توثيق الجرائم بالصوت والصورة هو المادة الخام التي تعتمد عليها المحكمة الجنائية الدولية ولجان التحقيق الأممية. لذا، فإن تصفية ومنع الوصول الى الميدان لتوثيق الجرائم الإسرائيلية، هي محاولة استباقية لتعطيل المسار القانوني الدولي في المستقبل.

في المقابل، لم يعد التنديد اللفظي من قبل المسؤولين اللبنانيين كافياً لردع هذه الانتهاكات الممنهجة، بل بات من الضروري والملحّ أن يبادر لبنان إلى الانضمام للمحكمة الجنائية الدولية عبر المصادقة على "نظام روما الأساسي"، أو على الأقل تفعيل المادة 12(3) منه لتقديم إعلان يقبل ممارسة المحكمة لولايتها على الجرائم المرتكبة فوق أراضيه.

إن هذا المسار القضائي هو السبيل الوحيد لكسر حلقة الإفلات من العقاب، وتحويل جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية التي ترتكبها إسرائيل في لبنان من مجرد تقارير حقوقية إلى مذكرات توقيف دولية.

إن القانون الدولي الإنساني صريح في هذا الشأن؛ إذ تصنف المادة 79 من البروتوكول الإضافي الأول لعام 1977 الصحفيين كمدنيين يتمتعون بكافة حقوق الحماية، كما تفرض المادة 24 من اتفاقية جنيف الأولى حماية مطلقة وثابتة للكوادر الطبية والمسعفين في جميع الظروف.

إن تجاوز "إسرائيل" لهذه القواعد الآمرة، وقصفها المستشفيات والمدارس وتفجير البيوت المدنية، وقصف لبنان بالفوسفور الأبيض المحرّم دولياً، يضع الحكومة اللبنانية أمام اختبار أخلاقي وقانوني؛ فإما الذهاب الى العدالة الجنائية الدولية، أو تبقي على دفن رأسها في الرمال، والتسليم بشرعية الغاب التي تحاول "إسرائيل" تكريسها في لبنان من منطلق "العين ما فيها تقاوم مخرز".

 

                                                                    ليلى نقولا

 

تعليقات



حجم الخط
+
16
-
تباعد السطور
+
2
-