بقلم المستشار القانوني د. سعد البخاتي
تُعدّ حماية الفئات المستضعفة والفقيرة والهشّة
معيارًا جوهريًا لقياس مشروعية الدولة الاجتماعية ومدى التزامها بمبدأ العدالة، إذ
لا تستقيم دولة القانون دون ضمانات فعّالة تصون الكرامة الإنسانية وتكفل الحد
الأدنى من العيش الكريم. وقد أسّس الدستور العراقي لسنة 2005 إطارًا متقدمًا لهذه
الحماية، حين تبنّى فلسفة دستورية تمزج بين الحقوق المدنية والسياسية والحقوق
الاقتصادية والاجتماعية.
نصّ الدستور في المادة (14) على مبدأ المساواة
أمام القانون دون تمييز، وهو الأساس الذي تنبني عليه سياسات الحماية الاجتماعية.
كما أوجبت المادة (30/أولاً) على الدولة ضمان الضمان الاجتماعي والصحي للعراقيين
في حالات الشيخوخة والمرض والعجز والبطالة والتشرّد واليتم، بما يؤكد التزامًا
دستوريًا صريحًا تجاه الفئات الهشّة. وتُعزَّز هذه الحماية بالمادة (31) التي كفلت
الحق في الرعاية الصحية، والمادة (32) الخاصة برعاية ذوي الإعاقة والاحتياجات
الخاصة وتأهيلهم، والمادة (29) المتعلقة بحماية الأمومة والطفولة.
وتجلّى التطبيق التشريعي لهذه المبادئ في عدد
من القوانين النافذة، أبرزها قانون الحماية الاجتماعية رقم (11) لسنة 2014 الذي
أسّس لشبكة أمان اجتماعي تستهدف الأسر تحت خط الفقر عبر إعانات نقدية وبرامج تمكين
اقتصادي، وقانون رعاية ذوي الإعاقة والاحتياجات الخاصة رقم (38) لسنة 2013 الذي
أقرّ حقوقًا في التعليم والتوظيف والرعاية الصحية. كما يسهم قانون العمل رقم (37)
لسنة 2015 في حماية العمال ذوي الدخل المحدود من الاستغلال، عبر تحديد الحد الأدنى
للأجور وتنظيم شروط العمل.
وعلى مستوى الأمثلة التطبيقية، تُظهر برامج
وزارة العمل والشؤون الاجتماعية في إعانات الحماية الاجتماعية دعمًا مباشرًا للأسر
الأكثر فقرًا، فيما أسهمت مبادرات القروض الصغيرة في تمكين بعض الفئات الهشّة
اقتصاديًا. إلا أن التحدي الحقيقي يكمن في فجوة التنفيذ وضعف الاستهداف الدقيق،
فضلاً عن تأثير الفساد الإداري والبيروقراطية على وصول الحقوق إلى مستحقيها.
إن حماية هذه الفئات لا تقتصر على الإعانات
المالية، بل تتطلب سياسات شاملة تقوم على العدالة التوزيعية، وتكافؤ الفرص في
التعليم والعمل، وتطوير الخدمات الأساسية في المناطق المحرومة. كما يستوجب الأمر
تفعيل الرقابة القضائية والدستورية لضمان عدم الانتقاص من هذه الحقوق، بوصفها
التزامات إيجابية على عاتق الدولة وليست مجرد توجيهات أخلاقية.
وخلاصة القول، إن الدستور العراقي 2005 وضع
أساسًا متينًا لدولة الرعاية، غير أن الانتقال من النص إلى الواقع يظل مرهونًا
بإرادة سياسية رشيدة وإدارة كفوءة تُعلي مصلحة الإنسان بوصفه غاية التنمية ووسيلتها،
وبذلك تتحقق العدالة الاجتماعية كركيزة للاستقرار وبناء الدولة.
