مع الرسالة الأولى التي صدرت نيابة عن المرشد السيد مجتبى خامنئي، ستنتقل إيران إلى إدارة حالة حرب جديدة. تعيين مجلس الخبراء، الذي يتألف من رجال دين، في الحكومة ليس قراراً دينياً فقط، بل ربما أكثر قرار سياسي عسكري، التهديد يتلخص بأن إيران ستستمر في إطلاق الصواريخ ما لم تغلق دول الخليج العربية القواعد الأميركية .
أدى تقاطع مصالح أميركية-إسرائيلية غلبت فيها الأجندات الاستراتيجية
لكل منهما على مخاوف الاستقرار الإقليمي لدول الخليج، حيث سعت "إسرائيل"
منذ سنوات لجر الولايات المتحدة إلى مواجهة مباشرة مع إيران لإنهاء برنامجها
النووي ونفوذها الإقليمي.
أرادت واشنطن كسر النفوذ الإيراني واعتبرت أنه
سيؤدي إلى ترتيب جديد للمنطقة يدمج "إسرائيل" فيها كقوة مركزية، حتى لو
كان الثمن اضطراباً مؤقتاً في أمن الخليج.
تجاهلت التحذيرات الخليجية لعدة أسباب استراتيجية، أهمها أنها ترى أن
ضمان أمن الخليج "طويل الأمد" لا يتحقق إلا بكسر شوكة إيران عسكرياً،
حتى لو أدى ذلك لتعريض منشآت النفط الخليجية لخطر "قصير الأمد".
تعمدت واشنطن وضع دول الخليج أمام خيارين إما
الانحياز الكامل للمعسكر الأميركي-الإسرائيلي، أو تحمل تبعات الحياد تحت نيران
الصواريخ الإيرانية، وهي سياسة تهدف إلى إجبار هذه الدول على فك ارتباطها
الاقتصادي والدبلوماسي المتنامي مع طهران والصين.
مشروع إيران 2019 أمن المنطقة بأيدي أبنائها لم
يلقَ تجاوباً خليجياً
مشروع إيران في العام 2019 ارتكز على جعل دول
المنطقة "خالية من الوجود العسكري الأميركي" وهي استراتيجية طويلة الأمد
تحت مبادرة مياه هرمز للسلام لإخراج "القوى الأجنبية" من المنطقة تحت
عنوان "أمن المنطقة بأيدي
أبنائها" لم يلقَ تجاوباً خليجياً.
كان الهدف إنشاء نظام أمني إقليمي يضم دول الخليج الثماني (دول مجلس
التعاون + العراق وإيران) من دون تدخل خارجي، وإقناع دول الخليج بأن التحالفات
العسكرية مع الولايات المتحدة هي سبب عدم الاستقرار، وأن البديل هو "معاهدة
عدم اعتداء" واتفاقيات أمنية مشتركة.
اعتبرت طهران أن القواعد الأميركية في المنطقة
تشكل تهديداً مباشراً لأمنها القومي، ودعت لاستبدالها بمنظومة أمنية محلية وتشريع
قوانين بهذا الصدد تهدف إلى إجبار القوات الأميركية على الانسحاب من العراق أولاً،
ما يخلق سابقة تطمح لتعميمها على دول الخليج الأخرى.
حاولت إيران استثمار الاتفاقيات الثنائية (مثل
الاتفاق الإيراني السعودي بوساطة صينية) لتخفيف حدة التوتر مع جيرانها. طمأنة دول
الخليج بأن "الخطر الإيراني" يمكن إدارته عبر الحوار، ما يقلل من حاجتها
للحماية العسكرية الأميركية الدائمة، إلا أنه لم يصدر أي بادرة من دول الخليج.
بل رأت أنه مشروع إيراني أمني جيوسياسي يسعى
إلى استبدال القوات الأميركية بنظام أمني تقوده طهران، لكن ما أوضحته إيران هو
التعاون المشترك مع جيرانها، إلا أنه ووجه بمقاومة بسبب انعدام الثقة والمصالح
الاستراتيجية العميقة بين دول الخليج وواشنطن. اليوم يأخذ الجدل حول "ضرورة
خلو الخليج من القواعد الأجنبية" أبعاداً عملية ملموسة.
التحديات والواقع الحالي
مع بدء وقوع هجمات أميركية-إسرائيلية واسعة على
منشآت إيرانية، حاولت دول الخليج اتخاذ مواقف محايدة لتجنب الانخراط في الصراع.
تؤكد الأحداث الحالية وجهة النظر الإيرانية من زاوية أن وجود القواعد جعل من أراضي
الدول المستضيفة هدفاً مباشراً للهجمات الانتقامية.
قامت إيران بقصف قواعد أميركية في قطر،
البحرين، الإمارات، الكويت، وعمان بصواريخ وطائرات مسيرة. أدت هذه الهجمات إلى
أضرار في منشآت الطاقة والمطارات المدنية، ما فرض على هذه الدول تكاليف باهظة لحرب
لا تريد المشاركة فيها.
رغم تأكيدات دول الخليج أنها لم تسمح باستخدام
أراضيها أو أجوائها للهجوم على إيران، إلا أن الواقع الميداني أظهر صعوبة التحكم
في نشاط هذه القواعد، أكدت أميركا عبر وزير دفاعها أن بعض الدول الخليجية فتحت
أجواءها، بينما نفت تلك الدول ذلك رسمياً، ما يعزز الحجة الإيرانية بأن وجود
القواعد يسلب الدول المضيفة قرارها السيادي في أوقات الأزمات الكبرى.
كانت الفكرة التقليدية هي أن القواعد الأميركية
توفر "مظلة حماية" لدول الخليج، لكن الحرب الحالية أثارت تساؤلات جدية،
لم يمنع وجود القواعد وقوع الهجمات الإيرانية على المنشآت الحيوية والمدنية
الخليجية.
عبّرت دول الخليج عن استيائها من عدم إخطارها
مسبقاً ببدء الهجوم على إيران، ما تركها عرضة لرد الفعل الإيراني من دون استعداد
كافٍ.
قادت دول الخليج جهوداً في مجلس الأمن لاستصدار
قرار يطالب بوقف الهجمات الإيرانية، مع التأكيد المستمر على حيادها. مع دعوات
متزايدة داخل مجلس التعاون الخليجي لتعزيز أنظمة الدفاع الصاروخي المستقلة
والشبكات الأمنية التي لا تعتمد كلياً على الرادارات أو الإرادة الأميركية، لتجنب
الانجرار لصراعات القوى الكبرى.
إلا أن الحرب أثبتت من دون جدل أن القواعد هي
وصفة للدمار ومصدر لتهديد سيادة الدول المضيفة. أما وأن "الحياد" صعب
جداً بوجود هذه القواعد، ما قد يدفعها مستقبلاً لإعادة تقييم شكل التحالفات
الأمنية والبحث عن توازن جديد يقلل من مخاطر الانخراط في مواجهة مباشرة بين طهران
وواشنطن.
مضيق هرمز
وإمدادات الطاقة
ارتفعت أسعار برنت الى 120 دولاراً مع خطاب
المرشد السيد مجتبى الذي توعد بضرب "مصادر النيران" في حال استمرار
الهجمات على بلاده، وجدت دول الخليج نفسها أمام ضرورة تفعيل بدائل لوجستية
واستراتيجية عاجلة.
رغم توفر الأنابيب، إلا أنها لا تغطي كامل حجم
الصادرات الخليجية. الأنابيب الحالية لا تستوعب سوى جزء من الـ 20 مليون برميل
التي كانت تعبر المضيق يومياً، ما يعني انخفاضاً فعلياً في المعروض العالمي بنحو
8-10 ملايين برميل.
لا توجد أنابيب بديلة كافية لتصدير الغاز
القطري والإماراتي، حيث تمر 93% من صادرات الغاز القطرية عبر هرمز، ما يجعلها
"رهينة" للمضيق حالياً.
تسعى دول الخليج للحصول على إجماع دولي (عبر مجلس الأمن) لحماية
منشآتها، مع تأكيد عدم استخدام أراضيها كمنطلقات للهجمات الأميركية لتجنب التهديد
الإيراني. تعزيز الحماية العسكرية لمنطقة البحر الأحمر وموانئ الفجيرة لضمان عدم
انتقال الصراع إليها وتحويل السعودية إلى مركز عبور إقليمي للبضائع عبر الطرق
البرية لربط موانئ البحر الأحمر ببقية دول الخليج، لضمان استمرار تدفق السلع الأساسية
بعيداً عن الشحن البحري المضطرب.
هل ستسعى دول الخليج بعد الحرب (خاصة السعودية
والإمارات) إلى الحفاظ على علاقات أمنية مع واشنطن مع قيود صارمة تمنع استخدام
أراضيها في أي هجوم مستقبلي، لتجنب "قصف مصادر النيران" التي أعلنها
المرشد الإيراني ؟ وهل ستقلل من الاعتماد الحصري على التكنولوجيا الأميركية التي
قد تُعطل أو تُسحب في لحظات التأزم؟
إغلاق مضيق هرمز كان "جرس إنذار"
نهائي، ستسعى السعودية إلى التحول إلى المركز الرئيسي لتصدير النفط والغاز عبر
موانئ البحر الأحمر (ينبع وجيزان)، مع توسعة ضخمة للأنابيب العابرة للقارة. ستصبح
الموانئ المطلة على بحر العرب والمحيط الهندي (مثل الفجيرة والدقم) هي الركيزة
الأساسية للتجارة الخليجية، بعيداً عن "عنق الزجاجة" في هرمز.
ستسعى دول الخليج إلى حراك دبلوماسي لفرض
"نظام أمني خليجي خالص" بعد صمود إيران، فهي ستدرك أن التعايش مع
"إيران قوية" هو خيار واقعي لا مفر منه، ما قد يؤدي إلى إطلاق
"معاهدة أمن جماعي" تضمن عدم الاعتداء المتبادل.
دول الخليج بعد الحرب لن تعود كما كانت
"محميات أمنية"؛ بل ستتحول إلى "لاعب مستقل" تدير
توازناً دقيقاً بين واشنطن وبكين وطهران،
مع أولوية قصوى لحماية مشاريعها الاقتصادية من نيران الصراعات الكبرى، وهكذا ستعود
إلى الطرح الإيراني قبل الحرب.
هدى رزق

