أخر الاخبار

أي نوع من الحروب: تدمير العتاد أم تعطيل النظام الإقليمي والدولي؟

 


منذ عدة عقود، أقامت إيران نظاماً دفاعياً فسيفسائياً لامركزياً لامتناظراً لمنع الانهيار وفرض حرب مكلفة طويلة الأمد على العدوان، والاحتفاظ بقدرة مستمرة على الردّ وليس مجرّد "ضربة انتقامية"، وتحديد زمن وكيفية انتهاء الحرب. ويتماهى هذا النظام الدفاعي مع استراتيجية تعطيل النظام الإقليمي والدولي المساند للعدوان وإحباط أهداف العدو.

لكنّ أبرز سمات المواجهة الحالية بين إيران والولايات المتحدة ليس نطاق العنف فحسب، ولا المخاطر الجيوسياسية. بل هو أمرٌ أكثر جوهرية وأكثر إرباكاً. إنه الشعور بأنّ طرفي المعركة يخوضان نوعين مختلفين تماماً من الحروب.

تعطيل النظام

يلاحظ المفكّر الإيرلندي، ديلان إيفانز، أنّ الولايات المتحدة منخرطة فيما يمكن تسميته "حرب العتاد" العسكري. إذ يتمّ تحديد الأهداف، وضربها، وتقييم الضربة، وتدمير منصات إطلاق الصواريخ. فتُستهدف مصانع المُسيّرات.

ويُصفّى القادة السياسيون والعسكريون. والمقاييس مألوفة: طلعات جوية كثيفة، تعطيل الإمكانات الدفاعية، خفض القدرات. إنها حرب أشياء مرئية، أشياء يمكن عدّها وتتبّعها وعرضها في شرائح وفيديوهات الإحاطة. إنها حرب تدمير العتاد والقدرات.

من جهة أخرى، يبدو أنّ إيران تنتهج أداء مختلفاً تماماً. فلا تسعى للفوز بمنافسة عسكرية تقليدية. ولا تسعى لمضاهاة القوة النارية الأميركية أو التنافس على السيطرة على ساحة المعركة بشكل متناظر. بل تفعل شيئاً أكثر غموضاً: محاولة تعطيل النظام الإقليمي والدولي الداعم لفرضيّات العدوان ومعادلاته الصريحة والكامنة.

هذه العبارة الأخيرة ليست مجرّد بلاغة خطابية، بل تعكس تحوّلاً حقيقياً في منطق الصراع. فبينما يتجه النهج الأميركي نحو تدمير الأدوات والأشياء، يتجه النهج الإيراني نحو إحداث آثار، وتحديداً آثاراً سياسية واقتصادية واستراتيجية ملموسة تتجاوز حدود ساحة المعركة.

يوجّه إيفانز النظر إلى تحرّكات إيران بمضيق هرمز، إذ نجد بضع طائرات مسيّرة وبعض الألغام البحرية، وضربة عرضيّة على ناقلة نفط.

عسكرياً، تبدو هذه التحرّكات ضئيلة. فهي لا تُشكّل تهديداً تقليدياً للبحرية الأميركية، ولا تُضعف القدرة القتالية الأميركية ضعفاً ملموساً. ومع ذلك، فإنّ آثارها بالغة الأهمية. تتباطأ وتيرة الشحن البحري، ترتفع أقساط تأمين السفن، تزداد أسعار النفط، تضطرب الأسواق، تتزايد مخاوف حكومات الخليج، ويتراكم الضغط السياسي على واشنطن.

هذه ليست حرب استنزاف تقليدية. إنها حرب توظيف النفوذ والتضاريس وبنية النظام الإقليمي والدولي.

مغالطة إحصاء القتلى

على نقيض ذلك، يقدّر الجانب الأميركي النجاح بمقاييس بلا معنى إلّا في نوع مختلف من الحروب، يعتمد فيها النصر على استنزاف واضح لقدرات العدو التقليدية. هذا ما يقصده عالم السياسة روبرت پيپ باستدعائه تعبير "مغالطة إحصاء القتلى" بحرب فيتنام. خلال ذلك الصراع، أبلغ القادة الأميركيون عن أعداد متزايدة من قتلى العدو، كما لو أنّ تراكم الجثث سيُترجم في النهاية نصراً استراتيجياً. ولم يحدث ذلك! كان العدو يخوض حرباً مختلفة، كان فيها الصمود والتجدّد والإرادة السياسية أهمّ من الخسائر في ساحة المعركة.

أميركياً، ثمّة احتمال مقلق بأنّ شيئاً مشابهاً يتكرّر. عندما يشير المسؤولون الأميركيون لانخفاض إطلاق الصواريخ بنسبة 90% أو تدمير أجزاء كبيرة من أصول البحرية الإيرانية، فهم ليسوا مخطئين دائماً. فهذه أهداف حقيقية وقابلة للقياس.

لكنّ السؤال: هل هي الأهداف الصحيحة؟ هذه أمور ستكون بالغة الأهمية لو كان الصراع متناظراً تقليدياً بين دولتين تسعيان لهزيمة جيوش بعضهما بمعركة مفتوحة. لكن إذا كان الصراع الفعلي يدور حول القدرة على فرض تكاليف على النظام العالمي – لتعطيل تدفّقات الطاقة، ورفع الأسعار، وخلق ضغط سياسي – فهذه المعايير غير ذات صلة بشكل كبير.

الحقيقة الواضحة أنّ أميركا تدمّر العتاد والأشياء. إيران ترفع أسعار الطاقة والأسمدة. هذا التمييز مهم لأنه يمسّ جوهر الاستراتيجية. فالاستراتيجية ليست مجرّد تطبيق فعّال للقوة، بل هي مواءمة العمل العسكري مع غاية سياسية نهائية – أي تأثير أو "جدوى القوة"، كما وصفها الجنرال روپيرت سميث ببراعة في كتاب بعنوان "جدوى القوة" أيضاً. يتعلّق الأمر بفهم طبيعة اللعبة التي يتمّ خوضها، وما يُعتبر فوزاً فيها.

بحسب تفسير پيپ، تُخاطر الولايات المتحدة حالياً بامتلاك تكتيكات من دون استراتيجية. إنها بارعة في إصابة الأهداف، لكن ليس واضحاً ارتباط هذه الأهداف بمسار منطقي يحقّق نجاحاً سياسياً. فتدمير الأصول العسكرية الإيرانية إذا لم يمنع إيران من فرض نفوذها بمضيق هرمز، أو من مواصلة حرب طويلة تفرض تكاليف غير متكافئة على العدوان، فحملة القصف قد ترقى إلى سلسلة عمليات تكتيكية مبهرة لا تعالج المشكلة الاستراتيجية الجوهرية.

لكن يرى إيفانز أنه في المقابل، تبدو إيران مدركة لطبيعة هذه المشكلة منذ البداية. فهي لا تحتاج لتحقيق نصر تقليدي أو هزيمة الجيش الأميركي أو حتى إضعاف قدراته. بل تحتاج لضمان أن يصبح ثمن استمرار الصراع باهظاً سياسياً واقتصادياً واستراتيجياً بالنسبة لخصومها.

فخّ التصعيد

لهذا تُعتبر الأعداد الصغيرة مهمّة. قد يكفي يومياً بضع مسيّرات منخفضة التكلفة لإبقاء مضيق هرمز "مسدوداً" أمام خصوم إيران. وقد يكفي لذلك زرع بضعة ألغام. ليس مهماً هنا خفض أو تدمير قدرات إيران الدفاعية فعلياً، بل المهم الحدّ الأدنى المطلوب من إيران لاستدامة الضغط على النظام الإقليمي والعالمي. وطالما استطاعت إيران البقاء فوق هذه "العتبة" أو الدرجة من التحمّل والصمود، استطاعت الاستمرار في إحداث اضطرابات لعدوها، مهما كانت طفيفة – ليبقى "المنطق الاستراتيجي" لموقفها سليماً ومتواصلاً.

وهذا يفسّر أيضاً ميل الصراع للتوسّع خارج ساحة المعركة. أسواق النفط، وخطوط الشحن، وأسعار التأمين، وسياسات التحالفات، والدورات الانتخابية المحلية – كلّها تصبح جزءاً من الحرب. لم تعد ساحة المعركة مساحة منفصلة تتصادم فيها القوات العسكرية، بل أصبحت عقدة محورية ضمن شبكة أنظمة مترابطة أوسع كثيراً.

هنا تبرز فكرة "فخّ التصعيد" بشكل خاصّ. لا يقتصر هذا الفخّ على خطر تصاعد العنف فحسب، بل يكمن الأمر في ميل أحد الأطراف – الأقوى عادة – للردّ على الإحباط الاستراتيجي بتصعيد تكتيكي إضافي. فإذا لم يُجدِ القصف نفعاً، فمزيد من القصف. وإذا لم تُحقّق الأهداف النتائج المرجوّة، يُوسّع نطاق الأهداف. وإذا استمرّت المشكلة، يُنظر في إرسال قوات برية!

ظاهرياً، تبدو كلّ خطوة عقلانية. كلّ خطوة تعد بتصحيح قصور الخطوة السابقة. لكن إذا كان التشخيص الأساسي خاطئاً، وإذا لم تكن الحرب تدور فعلياً حول تدمير قدرات العدو، فالتصعيد يُعمّق ببساطة التباين بين الوسائل والغايات. فهو يُنتج نشاطاً أكثر من دون إنتاج حلّ.

خوض الحرب الخاطئة

يتابع إيفانز، عند نقطة معيّنة، يتوقّف السؤال عن قدرة أميركا على تدمير مزيد من العتاد. ويصبح السؤال عن إمكانها استعادة السيطرة على مُجريات اللعبة ذاتها. هذا هو جوهر حجّة روبرت پيپ . والسؤال ليس إن كانت القوة الجوية الأميركية فعّالة – فهي فعّالة بوضوح – بل إن كانت الفعّالية على مستوى التكتيكات تستطيع التعويض عن الفشل في فهم المنطق الاستراتيجي للصراع. فإذا كانت الحرب في جوهرها صراعاً على النفوذ والتأثير ضمن نظام عالمي معقّد، فتدمير عتاد عسكري إيراني أكثر لا يُقرّب الولايات المتحدة من النصر!

إذاً، ما نوع هذه الحرب؟ إذا كانت حرباً تقليدية، فالولايات المتحدة منتصرة بفارق شاسع. أما إذا كانت حرباً غير متناظرة تستهدف تعطيل النظام وفرض تكاليف باهظة، فإيران هي الأقوى. يتدافع هذان التفسيران حالياً، وإن كانا في نطاقين مختلفين من الفضاء الإلكتروني، حيث يعزّز كلّ منهما نفسه ضمن إطاره المفاهيمي الخاصّ، بينما يستمر الوضع على أرض الواقع تخبّطاً وفوضى.

بهذا المعنى، قد لا يكون السؤال الأهمّ هو كيف تسير الحرب، بل كيف يتمّ فهمها. لأنه إذا كانت أميركا تدمّر العتاد في حرب تهدف بجوهرها لتعطيل المنظومة، فقد تكتشف – متأخراً جداً – أنك كنت تخوض الحرب الخاطئة منذ البداية!

في الخلاصة يبدو الفرق بين هذين النهجين هو الفرق ذاته بين الهمجية والحضارة!

 

                                                                     مازن النجار

 

تعليقات



حجم الخط
+
16
-
تباعد السطور
+
2
-