لم تكن الأخبار العاجلة التي احتلّت الشاشات والهواتف صبيحة السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023 حدثاً عابراً. مثّلت عملية "طوفان الأقصى" لحظة انفجار بركاني في صراع متراكم منذ عقود. ما تلاها من حروب ومعارك وتحوّلات- لا تقلّ أهمية - وصولاً إلى اللحظة الراهنة، لم تكن صناعة نشرات الأخبار، بل نتاج بنية جيوسياسية حقيقية تتصل بإعادة رسم موازين القوى في شرق أوسط مضطرب، وفي نظام دولي يتبدل إيقاعه.
إزاء التطورات المتلاحقة والمتسارعة والكثيفة،
يواجه الجمهور صعوبة في تكوين ذاكرة متماسكة لهذه الأحداث، ليس بسبب نقصها، بل بسبب
فيضها، إضافة إلى طريقة إدراكنا لها وتلقّيها. الجمهور المقصود هنا، يتجاوز نطاق
المنطقة إلى كل العالم، وهو جمهور مجزأ ومتنوع ومتعدد السمات والاهتمامات، وهي
عوامل تؤثر في نهاية المطاف في طريقة إدراكه وتفاعله وفي طريقة ترسيخ الوقائع في
ذاكرته.
ثمة شعور يتكرّر لدى المتابعين: نحن ننتقل من
صدمة إلى أخرى، من عنوان إلى آخر، من الحدث الأكبر إلى الحدث الأخطر إلى الأحدث،
من دون أن تترسّخ صورة كلية شاملة في الذاكرة. هذا الأمر ليس صنيعة أحد وليس فعلاً
قصدياً، لكن مع ذلك يمكن استثماره واستغلاله من قبل فواعل سياسية وإعلامية في هذا
الاتجاه أو ذاك.
حين تعجز الذاكرة عن مواكبة السرعة
في علم النفس المعرفي، تُعدّ نظرية الحمل
المعرفي Cognitive Load Theory)) من أبرز الأطر التي تفسّر هذه الظاهرة. تنطلق النظرية من مسلّمة
بسيطة: الذاكرة العاملة لدى الإنسان محدودة السعة. حين تتعرض لتدفق كثيف ومتواصل
من المعلومات، فإنها تضطر إلى المفاضلة: تخزين الجديد على حساب القديم، أو معالجة
السطح وترك العمق.
هذا ليس استنتاجاً انطباعياً. تؤكد ذلك أبحاث
منشورة في مجلات متخصصة. تراكم المهام المعرفية والمقاطعات المتكررة تضعف قدرة
الفرد على الاحتفاظ بالمعلومات واستدعائها لاحقاً. كذلك تشير دراسات تجريبية حول
"التشتت الرقمي" إلى أن التنقل السريع بين محتويات متعددة يقلّل من
احتمالات تشكّل ذاكرة طويلة المدى مستقرة.
هذه النتيجة يسبّبها أيضاً التعرّض لأخبار
متضاربة ومتناقضة ومتسارعة بما يؤدي إلى أعباء معرفية تؤثر في قدرة العقل على
تفسيرها واستدعائها لاحقاً. بعبارةٍ أخرى: ليس فقط الكمّ الكبير من الأخبار من
شأنه أن يُضعف قدرتنا على بناء "استرجاع ذاكرة دائمة" للوقائع، بل أيضاً
تداخلها وتناقضها.
تبعاً لذلك، يصبح متابع الأخبار، الذي يتنقّل
بين بث مباشر وآخر، وبين منصة وأخرى، ومن تصريح عسكري إلى تحليل سياسي إلى بيان
إلى تدوينة إلى أخبار الميدان، ومن إيران إلى واشنطن ثم إلى لبنان ثم إلى الخليج
ثم إلى غزة، في حالة معالجة آنية دائمة، لا في حالة ترسيخ.
إلى جانب نظرية الحمل المعرفي، تبرز نظرية
التداخل في الذاكرة Interference Theory))،
التي تشرح كيف تتداخل المعلومات الجديدة مع القديمة فتضعف استدعاءها. ما يُعرف
بـ"تأثير الحداثة" Recency Effect)) يجعل الحدث الأخير أكثر حضوراً في الوعي، حتى لو كان أقل عمقاً من
سابقه.
هكذا يتحول التسلسل التاريخي إلى سلسلة لحظات
منفصلة. الذاكرة لا تتراكم، بل تُزاح.
زمن اللحظة وانهيار السياق
النسيان هنا ليس فردياً فقط؛ إنه يمتد إلى ما
يمكن تسميته بالذاكرة الجمعية. في دراسات حول "الإعلام والذاكرة"، يشير
باحثون مثل Andrew Hoskins إلى أن البيئة الرقمية أنتجت ما يسمّيه "الذاكرة
المتدفقة"، بحيث لا تعود الذاكرة مخزوناً مستقراً، بل شبكة آنية من
الاستدعاءات السريعة.
وفق الأدبيات العلمية المرتبطة بهذا المجال
تنتج الدورات الإخبارية المتسارعة شكلاً من "النسيان البنيوي": كل دورة
جديدة تزيح السابقة من مركز الانتباه، لا بقرار واعٍ، بل بفعل منطق الإنتاج
الإعلامي ذاته. من المهم التأكيد بأن الإعلام هنا لا يخلق الحدث ولا يحّرفه
بالضرورة، بل يغيّر كيفية تموضعه في الوعي العام. الحرب لا تختفي من الواقع، لكنها
قد تختفي من الصفحة الأولى.
الأمر ليس جديداً كلياً ولا يرتبط حصراً بما
نشهده اليوم من دفق متسارع، بل يرتبط عضوياً بتاريخ الصناعة الإعلامية. في
سبعينيات القرن الماضي، تحدث Raymond Williams عن مفهوم "التدفق" في التلفزيون، حيث تتحول البرامج
والأخبار إلى سيل متواصل بلا فواصل واضحة. لاحقاً، ربط Paul
Virilio بين الحداثة والتسارع، معتبراً أن
السرعة تغيّر بنية الإدراك نفسه.
وفق هذا المنطق، يتم انتقال الاهتمام إلى
موضوعات جديدة بسرعة، بينما تُبعد الأحداث السابقة نفسها من دائرة الوعي العام،
ليس لأنها أقل أهمية، بل لأن المنصات تقنية الطابع والطبيعة، واهتمام الجمهور بات
كذلك.
اليوم، مع البث الحي والمنصات الرقمية، لم يعد
الحدث يُعرض ضمن تسلسل زمني واضح، بل ضمن حاضر دائم. كل شيء يحدث
"الآن"، وكل شيء عاجل.
في هذا الإطار، تشير بعض الدراسات حول ديناميات
الاهتمام على المنصات الرقمية إلى أن دورة الانتباه الجماعي باتت أقصر بكثير مما كانت
عليه قبل عقدين، إذ يتراجع الاهتمام بموضوع ما بسرعة مع صعود موضوع جديد أكثر
إثارة أو جدلاً.
بهذا المعنى، لا ينهار السياق هنا لأن أحداً
قرر ذلك فقط عن قصد، بل أيضاً لأن إيقاع المنصة لا يسمح بترسيخه.
إدارة الانتباه وإدارة النسيان
تُعد نظرية وضع الأجندة
(Agenda-Setting Theory) التي طوّرها ماكومبس وشو عام 1972، من أبرز نظريات التأثير في حقل
علوم الاتصال والإعلام، وهي تفترض أن وسائل الإعلام لا تملي على الجمهور "كيف
يفكر" (أي رأيه) بقدر ما تملي عليه "فيمَ يفكر" (الموضوعات
الهامة). تبرز النظرية قدرة الإعلام على ترتيب أولويات القضايا العامة، حيث تُركز
على قضايا معينة، ما يرفع أهميتها لدى الجمهور.
وفقاً لذلك، عندما ينتقل التركيز من ملف إلى
آخر بشكل متسارع ومتتابع، فإن القضايا السابقة لا تُلغى، لكنها تُزاح من مركز
الانتباه. بعض الباحثين يضع هذا التحول السريع في الأولويات ضمن إطار "إدارة
غير مباشرة للنسيان": حين يتوقف النقاش العام عن موضوع ما، يتراجع حضوره في
الذاكرة الجمعية، حتى لو استمرت آثاره على الأرض. النسيان هنا ليس أمراً نفسياً
وعضوياً فقط، بل نتيجة تنظيم الانتباه.
في هذا الإطار، يصبح الحديث عن الموضوع الذي
يجب أن يبقى في دائرة الانتباه الجماعي جزءاً من منطق السباق نحو ما يفترض أن
يتصدّر المشهد، أكثر من كونه خيطًا تاريخيًا مرتّبًا. يقود هذا الأمر إلى خلاصة
تلائم الإشكالية التي نقاربها: وسائل الإعلام ليست مجرد ناقل، بل أيضاً نظام يدير
أولويات الانتباه الجماعي، ما يُؤثر في تكوين الذاكرة الجمعية.
الفرجة مقابل التركيز التاريخي
إزاء تعدّد المنصات وتنوعها وتباين خلفياتها
ونواياها لم يعد الإعلام يسرد قصة واحدة حتى لو كان يتناول قضية واحدة معيّنة؛
وبالتالي بات الجمهور يتلقى عدداً غير محدود من القصص التنافسية في آنٍ واحد. بذلك
يقود التعرّض المستمر والتنقل بين المنصات إلى حالة من "التركيز
المتنقل" بما يؤدي إلى:
- ضعف التماسك الزمني بين الأحداث.
- فقدان تدريجي للإطار التحليلي الذي
يُبقي الأحداث مترابطة.
أبحاث حديثة تشير إلى أن تنقّل المتلقي بين
مواد قصيرة وموجزة، كما هي الحال في منصة "تيك توك" ومثيلاتها من منصات
الفيديو القصير، يؤثر فعليًا على الذاكرة المستقبلية لدى الأفراد، ويُقلّص من
قدرتهم على الاحتفاظ بالتفاصيل على المدى الطويل.
هذه التحولات التقنية لا تُظهر فقط تراجعاً في
الاستجابة العاطفية أو الفهم العميق، بل أيضاً استجابة معرفية تتكيف مع التسارع
بدل الاعتراض عليه.
حين يستثمر السياسي منطق التدفق
في ظل زخم هذا التدفق الإعلامي اللاإرادي، برزت
إستراتيجيات سياسية إرادية هدفها استثمار قواعد الانتباه والتذكّر. أحد أبرز
الأمثلة الساطعة على ذلك هو السطوة الإعلامية التي أدارها الرئيس الأميركي دونالد
ترامب، خصوصاً عبر منصته الرقمية (Truth Social) بعد مغادرته منصة (X).
من خلال نشر كم هائل من التصريحات والمواقف
المثيرة والصادمة التي تبقيه في مركز التغطية، أصبح ترامب نموذجاً يستثمر إغراق
الفضاء المعلوماتي لتحويل كل لحظة إلى حديثٍ في صدارة المحتوى، الأمر الذي يعوّق
تثبيت النقاش حول حدثٍ بعينه لفترة كافية. في هذه الحالة لا يكون الخطاب السياسي
مجرد رد فعل على تغطية الوسائط، بل منافساً في إنتاج اللحظة الإعلامية من خلال
تشكيل "حلقات صدى" تمنح الأجندة السياسية جرعات متكررة من اهتمام
الجمهور، ما يجعل من الخطاب السياسي جزءاً من دورة مستمرة بدل حدثٍ منفصل.
تقارير صحافية أميركية، من بينها ما هو منشور
في "الواشنطن بوست"، أشارت إلى أن كثافة منشوراته تجعل من الصعب على
وسائل الإعلام تثبيت النقاش حول قضية واحدة، فكل تصريح جديد يخلق دورة إخبارية
جديدة.
يتقاطع ذلك مع مضمون دراسات حول "التحويل
الاستراتيجي للانتباه"، السلوك الذي يتبعه بعض السياسيين من خلال تصعيد
الخطاب في لحظات معينة لصرف الانتباه عن ملفات ضاغطة. في هذا الإطار، لا يكون
التدفق الإعلامي مجرد بيئة بل أداة، بحيث يؤدي إغراق الفضاء العام بالمواقف
والتعليقات إلى جعل الذاكرة الجماعية في حالة إعادة ضبط مستمرة.
لكن الصورة ليست أحادية. البيئة الرقمية نفسها
التي تسمح بالهيمنة اللحظية، تسمح أيضاً بسرديات مضادة، وبإحياء ملفات اعتُقد أنها
طُويت.
صراع على الأرض وصراع على الذاكرة
تبقى المفارقة أن التدفق الإعلامي قد يُنتج
نتيجتين متعاكستين:
- من جهة، تبلّداً عاطفياً نتيجة التعرض المتكرر للمآسي.
ومن جهة أخرى، تعبئة عالمية سريعة حول قضية
معينة.
تغطية غزة مثلاً أظهرت قدرة الصور على تحريك
رأي عام عالمي واسع، فيما تشير دراسات في الإعلام الرقمي أيضاً إلى أن طول أمد
التغطية قد يؤدي إلى تراجع تدريجي في التفاعل. وفق هذا المنطق، لا نكون أمام آلة
نسيان مطلقة، بل أمام توتر دائم بين الذاكرة والتشبع.
يبقى القول إن الأحداث التي نشهدها اليوم
واقعية بكل معنى الكلمة، وأنها نتاج صراعات جيوسياسية، لا مؤامرات إعلامية. لكن
طريقة عيشنا لها - عبر تدفق لا ينقطع من الأخبار والتحديثات والتعليقات - تجعل
الذاكرة الفردية والجماعية تحت ضغط دائم. كل حدث جديد يطالب بمساحة في الوعي، وكل
مساحة تُمنح له تزاحم الحدث الذي سبقه.
السؤال لم يعد فقط من يسيطر على الصراع، بل
أيضاً من يسيطر على الانتباه، لأن من ينجح في إدارة الانتباه، ينجح ولو مؤقتاً في
إعادة تشكيل الذاكرة. وبين هذا وذاك، يبرز سؤال محوري:
هل نحن في عصر فقدان الذاكرة بفعل سرعة الإعلام
وسرعة الأحداث؟ أم في عصر إعادة تشكيل الذاكرة عبر أدوات جديدة؟
الإجابة قد لا تكون واضحة وحاسمة، لكنها
بالتأكيد ليست مجرد نقاش نظري؛ هي نتيجة تفاعل بين الحدث الواقعي، وآليات نقل
المعنى، والسياق الذي يعيش فيه المتلقي عالمه الرقمي والتقليدي.
علي فواز

