بات من الواضح أنّ سقوف الأهداف الأميركية
والإسرائيلية من الحرب قد انخفضت بشكل ملحوظ، وهي لا تزال تنخفض تدريجيّاً، بحسب
تصريحات وتسريبات العديد من المسؤولين السياسيين والدبلوماسيين والعسكريين
الأميركيين والإسرائيليين؛ كما أنّ الحسابات السياسية والعسكرية والاستراتيجية لدى
كلّ من واشنطن و"تل أبيب" كانت هي أيضاً غير دقيقة، وربما غير منطقية
وغير واقعية، على اعتبار أنها تخالف، بل تجافي، الوقائع والحقائق والمعطيات
الميدانية.
كذلك، فإنّ النتائج المتوقّعة، من ضمن مخرجات
هذه الحرب، قد تكون بخلاف التقديرات والتقييمات والتوقّعات السياسية والعسكرية
والاستراتيجية من قبل الأميركيين والإسرائيليين، سواء كانت النتائج المباشرة
(الفورية أو القريبة المدى)، أو كانت النتائج غير المباشرة (المتوسطة أو البعيدة
المدى)...
وعندما تقوم إيران بإنجاز خطوات نوعية، من مثل:
استهداف القواعد العسكرية الأميركية على نطاق واسع، استهداف حاملات الطائرات
الأميركية (أبراهام لينكولن وجيرالد فورد)، استهداف المسيّرات والمروحيات
والمقاتلات الأميركية، أي الطائرات المسيّرة والمروحية والمقاتلة الأميركية، على
اختلافها، عدّة مرّات، استهداف طائرات التزوّد بالوقود، استهداف طائرات الأواكس (AWACS)...، فإنها بذلك تضرب فخر
الصناعات العسكرية والحربية الأميركية، وتطيح بالتفوّق العسكري، ولا سيما التفوّق
الجوي، للولايات المتحدة الأميركية، وتكسر صورة ومكانة واشنطن، بل هيبتها، في
المنطقة والعالم!
كما أنّ إيران، ومعها المقاومة في لبنان والمنطقة،
تقومان باستهداف "إسرائيل"، دون سواهما من الفاعلين الدوليين
والإقليميين!
وقد تكون إيران هي الأولى أو الوحيدة التي
تتجرّأ على تحدّي أميركا والتصدّي لها في المنطقة والعالم، مع العلم أنّ الأخيرة
هي أكبر وأقوى إمبراطورية في تاريخ العالم؛ تماماً كما كانت المقاومة في لبنان هي
الأولى أو الوحيدة التي سبق وأن انتصرت على "إسرائيل" في المنطقة، مع
العلم أيضاً أنّ لدى الأخيرة أقوى وأعتى "جيش" في المنطقة، ومعها ومن
خلفها كلّ الغرب، وحتى بعض العرب! وعليه، فإنّ مفاعيل وتداعيات ومترتّبات هذه الحرب
هي أكبر وأبعد وأعمق مما يظنّ أو يعتقد البعض من هنا وهناك.
من هنا، قد يكون من المفيد الإضاءة، من الآن،
على العديد من الأسئلة أو التساؤلات ذات الصلة بمخرجات هذه الحرب؛ بل إنه من
الواجب التنبّه إليها، من قبل قادة وصنّاع الرأي، والتنبيه إليها، للناس والرأي
العامّ، وذلك بقصد الإحاطة بها ومحاولة التعامل والتعاطي معها في المرحلة المقبلة،
أي المرحلة التي تلي الحرب مباشرة؛ ذلك أنّ ما بعدها - كما أسلفنا في عدة مناسبات
ومرات عديدة - ليس كما قبلها على الإطلاق، لا على الصعيد الخارجي، إن كان العالمي،
أو كان الإقليمي، ولا حتى على الصعيد الداخلي، أي المحلي!
ما هو مصير الوجود العسكري الأميركي في منطقة
الشرق الأوسط، ولا سيما مصير القواعد العسكرية في منطقة دول الخليج العربية، لدى
توقّف العمليات العسكرية والأعمال الحربية؟ ما هو مصير منظمة معاهدة شمالي الأطلسي
(حلف شمالي الأطلسي) ومستقبل العلاقات البينية بين الأميركيين والأوروبيين؟ ما هو
موقع إيران في الإقليم والنظام الإقليمي بعد انتهاء حالة الحرب؟ ما هي تحدّيات
الدور الوظيفي للكيان الإسرائيلي في المستقبل؟ ما هي محدّدات الدور الوظيفي لدول
الخليج العربية في المستقبل أيضاً؟ ما هي الترتيبات الممكنة والملامح المرتقبة لمنظومتي
الأمن الإقليمي عموماً والأمن الخليجي خصوصاً؟ وماذا عن مستقبل المشرق العربي في
خضمّ كلّ هذا المخاض وبعد كلّ هذه التحوّلات والتبدّلات والتغيّرات الإقليمية؟
غسان ملحم

