دخلت المواجهة بين
واشنطن وطهران منعطفاً تاريخياً وحرجاً، إذ يجد الرئيس الأميركي دونالد ترامب نفسه
اليوم في وضع مأزوم لم يكن يتخيّله عند بدء العدوان نهاية شباط/فبراير الماضي. ففي
ظلّ التمسّك الإيراني الصارم بقرار إغلاق مضيق هرمز ورهن فتحه بالرفع الكامل والنهائي
للعقوبات كافة، تحوّلت موازين القوى بشكل دراماتيكي لصالح الدولة الإيرانية.
إنّ ما أحدث هذا
الفارق الجوهري هو الصمود الإيراني غير المسبوق، والرسالة الحازمة التي وجّهتها
القوات المسلحة الإيرانية، بجناحيها الجيش وحرس الثورة، والتي أثبتت قدرة عالية
على التحكّم في الممرات المائية الحيوية. هذا التناغم العسكري، مدعوماً بالتفاف
شعبي واسع حول القيادة السياسية رغم ضراوة الحرب، قد حشر ترامب فعلياً في
"الزاوية"، وجعله يفتّش بين خيارات ضيّقة ومكلفة، محاولاً في الوقت ذاته
تسويق تراجع وتيرة العمليات العسكرية والانسحاب التدريجي للقطع البحرية كمناورة
استراتيجية، خوفاً من أن يُصوّر الرأي العام الأميركي هذا المشهد كأكبر هزيمة
عسكرية منذ فيتنام.
انحسار
الخيارات العسكرية والبحث عن مخرج
مع
تراجع حدّة القصف الجوي والاشتباكات البحرية المباشرة، لم يعد أمام ترامب سوى
خيارات "جراحية" محدودة، فهو يسعى الآن لما يمكن تسميته "الانسحاب
اللطيف"، حيث يتمّ سحب القطع البحرية الكبيرة المُعرّضة لخطر الصواريخ
الإيرانية من مياه الخليج، مع محاولة تعويض ذلك بزيادة وتيرة عمليات "تطهير
الألغام" إلى ثلاثة أضعاف.
وربما تحدث استجابة
للضغوط التي يمارسها بعض مستشاري ترامب المُقرّبين من بنيامين نتنياهو، والرامية
إلى تنفيذ ضربات دقيقة تستهدف عدداً من المواقع النووية الإيرانية.
الهدف هنا ليس شنّ حرب
شاملة، بل محاولة إبقاء الملاحة "شبه مستقرة" من دون الصدام المباشر
الذي قد يؤدّي إلى غرق حاملات طائرات أميركية، وهو الكابوس الذي يخشاه ترامب قبل
الانتخابات النصفية المقرّرة في تشرين الثاني/نوفمبر المقبل، على أن تسمح ضربات
المواقع النووية الإيرانية لترامب الادّعاء بأنه قد "ضمن بذلك عدم خروج إيران
من الأزمة بوضع العتبة النووية".
الملف
الصيني: رحلة بكين والمقايضة
يقوم
الرئيس ترامب بزيارة عالية المستوى إلى بكين، للقاء الرئيس الصيني، شي جين بينغ.
هذه الزيارة، التي تأتي في توقيت حسّاس، تهدف بالأساس إلى الضغط على التنين الصيني
للتوقّف عن كونه "الرئة" التي يتنفّس منها النفط الإيراني، إذ يسعى
ترامب لإقناع القيادة الصينية بوقف استيراد النفط الإيراني عبر ما يعرف بـ
"المصافي الصغيرة"
(teapot refineries)،
مقابل تقديم تنازلات في ملف الرسوم الجمركية على التكنولوجيا.
ومع ذلك، يدرك ترامب
أنّ بكين تنظر إلى إيران كشريك استراتيجي في مشروع "الحزام والطريق"، ما
يجعل مهمته في بكين محفوفة بالفشل أو تتطلّب أثماناً باهظة قد تضرّ بالاقتصاد
الأميركي.
"مشروع الحرية" وتدويل الأزمة: من
الطموح إلى التراجع
في
محاولة للهروب من عبء المواجهة المنفردة، طرحت الإدارة الأميركية قبل فترة إنشاء
منطقة أمنية معزّزة
(Enhanced Security Area) بالتنسيق مع
سلطنة عمان، لفرض مسارات بديلة تحت حماية عسكرية أميركية - دولية مشتركة.
كما أعلن المسؤولون
الأميركيون، أيضاً، عن "مشروع الحرية" (Project Freedom)، وهو مخطط عسكري-دبلوماسي يهدف إلى تقديم
الحماية العسكرية للسفن التجارية العالقة في مضيق هرمز، بواسطة القطع البحرية
الأميركية.
إلا أنّ كلا المشروعين
واجها انتكاسة كبرى أدّت إلى التراجع عنهما بشكل سريع؛ والسبب هو فشل الفرقاطات
التابعة للبحرية الأميركية في عبور مضيق هرمز، إضافة إلى رفض القوى الأوروبية
والآسيوية (مثل الهند واليابان) التورّط في صدام عسكري مباشر مع إيران في ممر بحري
ضيّق ومفخّخ بالألغام والصواريخ.
هذا التراجع زاد من
عزلة ترامب، وجعل "الخيار الدولي والعسكري" مجرّد شعار فارغ أمام
السيطرة الميدانية الإيرانية.
الضغط
الأقصى: مزيد من الحصار الاقتصادي
بما
أنّ الحرب العسكرية لم تحقّق أهدافها في تغيير السلوك الإيراني، عاد ترامب إلى
سلاحه المفضّل، وهو العقوبات الاقتصادية الخانقة.
ففي مطلع الشهر
الجاري، فرضت واشنطن عقوبات استهدفت 35 كياناً مالياً تشكّل ما يسمى بـ "بنوك
الظل" الإيرانية، وهي الشبكة المعقّدة التي مكّنت طهران من الالتفاف على
الحصار لسنوات، وهي شبكة أدارتها طهران بمهارة وحرفيّة، أثبتت قدرات غير مسبوقة
للدولة الإيرانية في المجالات الاقتصادية والمخابراتية على حدٍ سواء.
كما أطلق البيت الأبيض
تحذيرات متكرّرة للشركات العالمية، لحثّها على عدم دفع أيّ مبالغ لإيران مقابل
المرور في هرمز، باعتبار ذلك "خرقاً للعقوبات"، علماً بأنّ تلك الأموال
تستخدمها الحكومة الإيرانية لإعادة إعمار الجسور والمدارس والمباني التي دمّرتها
الطائرات الأميركية والإسرائيلية.
ويسعى ترامب عبر هذا
الضغط لمضاعفة معاناة الداخل الإيراني، على أمل أن يؤدّي ذلك إلى تصدّع الجبهة
الشعبية، وهو ما يثبت الواقع عكسه تماماً حتى الآن، حيث أدّى الضغط الخارجي إلى
رصّ الصفوف خلف الدولة.
خيار
"الصفقة الخاطفة"
(The One-Page Deal)
يظلّ
الخيار الأكثر إغراءً لترامب هو الوصول إلى "اتفاق الصفحة الواحدة"، فهو
يريد اتفاقاً مختصراً يضمن فتح المضيق ووقف التصعيد، مقابل رفع جزئي ومؤقت
للعقوبات، ليظهر أمام ناخبيه بمظهر "صانع السلام" الذي أنقذ العالم من
حرب عالمية ثالثة وخفّض أسعار الوقود.
لكنّ طهران، ترفض أن
يكون هذا الاتفاق مدخلاً لتجريدها من قدراتها النووية، أو التعرّض بأيّ شكل لملف
الصواريخ الباليستية، كما أنها تطالب بأن يشمل الاتفاق رفعاً شاملاً للعقوبات، وأن
يتوقّف العدوان على أيّ ساحة من ساحات للمقاومة، وفي مقدّمتها لبنان.
ترامب
في مهبّ الريح
يبدو
أنّ استراتيجية "عضّ الأصابع" قد مالت كفّتها بنهاية المطاف لصالح الطرف
الذي أبدى قدرة أكبر على التحمّل، وهو الطرف الإيراني.
فترامب، الذي دخل
الحرب بشعارات النصر السريع، يجد نفسه الآن مضطراً لابتكار لغة دبلوماسية تبرّر
التراجع وتغلّفه بغلاف "المرونة الاستراتيجية".
إنّ صمود إيران لم
يحمِ حدودها فحسب، بل أعاد رسم قواعد الاشتباك في المنطقة، تاركاً سيّد البيت
الأبيض يفتّش في أدراجه عن خيارات لا تبدو في الأفق إلا كمرارة التجرّع من كأس
السمّ الذي حاول سقيه للآخرين. فترامب الآن في وضع لا يحسد عليه، فكلما زاد الضغط،
زاد إصرار طهران، وكلما تراجع، ظهرت واشنطن بمظهر الضعيف؛ وهو مأزق سيحدّد مستقبله
السياسي في الأشهر القليلة المقبلة.
السيد شبل

