أخر الاخبار

الثلاثي الروسي الصيني والإيراني.. الاستراتيجية المقبلة

 


جاءت قمة فلاديمير بوتين مع شي جين بينغ بعد أيام قليلة من زيارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب لبيجين. تمخضت عن زيارة الرئيس الروسي حزمة واسعة من الاتفاقيات وتأكيد الشراكة الاستراتيجية لمواجهة الضغوط الغربية.

وقع بوتين ونظيره الصيني شي جين بينغ إعلاناً مشتركاً يدعو إلى بناء "عالم متعدد الأقطاب ونوع جديد من العلاقات الدولية"، واتفق الرئيسان على تمديد "معاهدة حسن الجوار والصداقة والتعاون" بمناسبة مرور 25 عاماً على توقيعها إلى جانب التوقيع على 40 وثيقة تعاون شملت كل القطاعات تصدرت مشاريع الطاقة المباحثات، الأهم بالنسبة إلى روسيا كانت السياسة والاستراتيجية إذ اهتمت موسكو بأمرين دبلوماسية ترامب مع بكين وحدود دعم الصين لإيران وروسيا.

 استراتيجية الصين وإيران

تتجنب بيجين الانجرار إلى الحروب، الصين تحمي مصالحها الاقتصادية أولًا. لم تقدم الصين وروسيا لإيران مساعدة عسكرية مباشرة كبيرة خلال الحرب الأخيرة مع الولايات المتحدة و "إسرائيل". دعت بيجين بشكل أساسي إلى الدبلوماسية والاستقرار، إذ إن الصين تعتمد بشكل كبير على تجارة الطاقة الخليجية والأسواق العالمية.

الكرملين كان قلقاً من فتح الأميركي قناة استراتيجية مع بيجين، ويخشى العلاقات التجارية والمصالح الأميركية مع الصين ما يمكن أن  يؤدي إلى تقليص دعمها لإيران، وأن تصبح روسيا أكثر عزلة. الأمور مترابطة، لكن روسيا تُدرك أن الصين بحاجة إلى موسكو، إلى النفط والغاز الروسيين، وإلى  التنسيق العسكري، وموازنة النفوذ الأميركي عالمياً.لذا، يبدو أن الموقف الصيني الحقيقي تجاه إيران هو داعم سياسياً ومرتبط اقتصادياً، لكنه حذر عسكرياً.

ماذا حول زيارة ترامب

تجاوز اجتماع ترامب مع شي جين بينغ التجارة إلى إيران، وخطوط الطاقة، والعقوبات، وروسيا، وموازين القوى المستقبلية، كلها كانت جزءاً من النقاشات التي دارت خلف الأبواب المغلقة. لذلك، تخشى روسيا من تفاهم أميركي- صيني يُضعف نفوذ موسكو، لكن الصين لا تختار بين إيران/روسيا والغرب، صحيح أن ترامب يتمنى إمكانية فصل بيجين، ولو جزئيًا، عن المحور الروسي- الإيراني.

أوضحت الصين لترامب ضرورة وقف عسكرة هرمز. موقف الصين من البرنامج النووي واضح منذ عام 2015، ما يعني ضرورة التوصل إلى تفاهم مع إيران بشأنه. لكنها ترفض الرسوم  التي تطالب بها إيران مقابل فتح هرمز، وهنا تحديدًا يكمن التناقض الاستراتيجي.

من وجهة نظر طهران، خلّفت الحرب والعقوبات أضرارًا اقتصادية جسيمة، ويرى القادة الإيرانيون في مضيق هرمز إحدى الأدوات القليلة المتبقية للضغط على الاقتصاد، وذلك لما له من فوائد عديدة عبور الطاقة والسيطرة على الملاحة البحرية، الموقع الجغرافي الاستراتيجي، والضغط على الأسواق العالمية.

وتشير بعض التقديرات والتحليلات إلى أن الخسائر الاقتصادية التراكمية قد تصل إلى مئات المليارات من الدولارات نتيجة للعقوبات، والصراع، وهروب رؤوس الأموال، وتضرر البنية التحتية، وفقدان عائدات النفط.

إيران ترى أنه إذا كان العالم يعتمد على هذا الممر، فعليها أن تستفيد اقتصاديًا من حمايته وإدارته.

بينما تسعى الصين إلى طاقة رخيصة ومستقرة، ولا تسمح بتسييس الممرات المائية الاستراتيجية بشكل دائم.

تقدر الصين معاناة إيران الاقتصادية وتدعم تخفيف العقوبات، لكن  تخشى أن يؤدي فرض رسوم دائمة أو تقييد الوصول إلى مضيق هرمز إلى زعزعة استقرار التجارة العالمية، وارتفاع أسعار النفط، وهذا يعني الإضرار بالصناعة الصينية

وهي تشجع المفاوضات،و تطبيع جزئي، مع استقرار مُتحكم به. إيران من جهتها، تريد تعويضات، اعترافاً بالسيادة، وتحويل النفوذ الاستراتيجي إلى انتعاش اقتصادي. الغرب جمّد أو قيّد أصولها بينما يطالبها بضبط النفس.

 

وقد عمّق هذا انعدام الثقة بعد سنوات من العقوبات والاتفاقيات الفاشلة.

بيجين تدافع علنًا عن سيادة إيران،  لكها تسعى إلى منع التصعيد وفرض رسوم جمركية غير مقيدة. 

القلق الروسي يستكين

يكمن القلق الروسي في ضرورة عدم إضعاف إيران لأن الأمر يشكل خطراً على أمنها ونظامها، تغيير النظام في إيران غير مناسب لروسيا. المال عامل مهم للحفاظ على النظام الإيراني بعد الحرب بالنسبة إلى روسيا، إيران ليست مجرد شريك، بل هي جزء من بنية الأمن الجنوبي لروسيا واستراتيجيتها "متعددة الأقطاب".

انهيار الدولة الإيرانية أو ضعفها الجذري قد يؤدي إلى عدم استقرار قرب القوقاز وآسيا الوسطى، وتدفق اللاجئين والمسلحين.

الكرملين ينظر إلى تغيير النظام في إيران كسيناريو خطير. كما تدرك روسيا أن الدولة الإيرانية التي تعاني من عقوبات قاسية ودمار ما بعد الحرب تحتاج إلى المال للحفاظ على تماسكها الداخلي من دون عائدات النفط، الوصول التجاري، العملات الأجنبية، الرواتب، إعادة الإعمار، والاستقرار الاقتصادي الأساسي.

سيزداد الضغط الداخلي على النظام الإيراني بشكل كبير، ولهذا السبب، أصبح البقاء الاقتصادي لا يقل أهمية عن البقاء العسكري بالنسبة إلى طهران. موسكو تخشى من أن يقود الانهيار المالي الإيراني إلى دولة غير قابلة للتنبؤ، قد تتفاقم الاضطرابات الداخلية، وقد تستغل القوى الخارجية الوضع.

روسيا تريد الحفاظ على الدولة الإيرانية لكنها تفتقر إلى القدرة الاقتصادية لإنقاذها بالكامل، في الوقت الذي تريد الصين فيه الاستقرار من دون مواجهة، لا تزال الولايات المتحدة تستخدم العقوبات والضغط المالي ولهذا السبب أصبح البعد الاقتصادي - الوصول إلى الأموال، وطرق التجارة، وصادرات النفط، وتمويل إعادة الإعمار - محورياً في الصراع الجيوسياسي حول إيران، وروسيا تتفهم ذلك، وبالطبع الصين لا تتخلى عن إيران، بل تحاول "ضبط" الأزمة.

الحل المرجح الذي تسعى إليه الأطراف الثلاثة هو صيغة تسوية تحتفظ إيران بنفوذها الاستراتيجي في مضيق هرمز، تضمن الصين استمرار الدعم الاقتصادي والتجاري، تضمن روسيا الدعم السياسي والأمني، مقابل تجنب المواجهة الكاملة مع الولايات المتحدة.

عملياً، قد يعني هذا عبوراً محدوداً ومنظماً بدلًا من الإغلاق الكامل، ترتيبات اقتصادية انتقائية مع الصين، تشمل مفاوضات لتخفيف العقوبات، استثمارات في إعادة الإعمار وموقفاً إيرانياً أكثر مرونة تجاه التصعيد مقابل ضمان استمراريتها الاقتصادية.

هناك بالفعل مؤشرات على ظهور هذا النوع من الترتيبات،إذ سمحت إيران بمرور سفن مرتبطة بالصين بعد تنسيق دبلوماسي مع بيجين.

ومن المرجح أن تدعم روسيا هذا النوع من التسوية لأن موسكو تدرك واقعين في آن واحد: إيران بحاجة إلى المال لتحقيق الاستقرار الداخلي، لكن الصين بحاجة إلى الاستقرار لحماية التجارة العالمية وتدفقات الطاقة.

لذا، تلعب موسكو وسيطًا بين المنطق الثوري والمنطق الاقتصادي. ربما ترتكز حسابات روسيا على إيران مستقرة حتى لو كانت ضعيفة لأن انهيار إيران أمر خطير، وهي تخشى من أي تقارب أميركي-  صيني بشأن إيران لأن من شأنه أن يقلل من نفوذها.

لهذا السبب، تواصل روسيا تعزيز التنسيق في مجالي الطاقة والسياسة مع الصين، بينما تدافع عن إيران دبلوماسياً في الأمم المتحدة.

من وجهة نظر طهران، خلّفت الحرب والعقوبات أضرارًا اقتصادية جسيمة، ويرى القادة الإيرانيون في مضيق هرمز إحدى الأدوات القليلة المتبقية للضغط على الاقتصاد، وذلك لما له من فوائد عديدة.

 

                                                                           هدى رزق

 

تعليقات



حجم الخط
+
16
-
تباعد السطور
+
2
-