أخر الاخبار

كيف بددت حرب ترامب وهم التفوق العسكري الأميركي

 


كما أن القوة لا تعني الحرب دائماً وبالضرورة، كانت الهيمنة أو الصدارة العسكرية الأميركية خيارًا، لا ضرورة. بل تشير حرب إيران مؤخراً إلى أنها قد لا تكون خيارًا مجديًا بعد الآن. فالاستراتيجية القائمة على الهيمنة بواسطة التصعيد تنهار عندما يصبح استخدام التصعيد نفسه محفوفًا بالمخاطر.

منذ منتصف القرن الماضي، تتابعت حروب حركات التحرر الوطني بمختلف أنحاء العالم ضد قوى استعمارية غربية عتيدة، وتحقق لها الانتصار والاستقلال وخروج المستعمرين من بلادها. حطمت هذه الحروب افتراضًا أساسيًا حول هيمنة القوى العظمى: أن الحجم والقوة العسكرية كافيان لفرض الإرادة.

أثبتت تلك التجارب عكس ذلك. فبالاستراتيجية الصحيحة، والتموضع الجغرافي المناسب والعزيمة، يمكن لدولة أضعف أن تصمد وتُضعف بل وتهزم خصمًا أكبر وأقوى بكثير في جوانب رئيسة.

يقول تريتا پارسي، نائب رئيس معهد كوينسي، تواجه الولايات المتحدة الآن وضعًا مشابهًا غير مريح. فالحرب مع إيران تكشف باطّراد عن حدود القوة الأميركية على نحو مماثل.

فعلى مدى عقود، استندت الاستراتيجية الأميركية الكبرى على اعتقاد بأن القدرات العسكرية الأميركية، التي لا تُضاهى، مكنتها من الحفاظ على الاستقرار العالمي وتشكيل نتائج الأحداث في أقاليم شاسعة.

هيمنة عسكرية بلا جدوى

بعد إخفاقات الغزو والاحتلال الأميركي في العراق وأفغانستان، واضطراب الأداء بالمواجهة الأخيرة مع إيران، توصل العديد من الأميركيين إلى استنتاج صارخ: إن ثمن تلك الهيمنة العسكرية لم يعد مستدامًا، ولم يعد يخدم مصالحهم.

فالاستراتيجية التي تعتمد على الهيمنة العسكرية في كل مكان وزمان، تعني حتمًا خوض حرب في مكان ما، طوال الوقت، ولا يعني ذلك بالضرورة انتصارًا فعليًا أو تأمين السيطرة السياسية وتصريف الأمور وفق الغايات الأميركية، كما يشير جون ميرشايمر، أستاذ العلاقات الدولية في جامعة شيكاغو.

يعتقد پارسي أن حروب أميركا التي لا تنتهي ليست وليدة الصدفة، بل هي نتاج هذا النهج. وإذا كان هناك نقطة اتفاق نادرة الحدوث في بلد يزداد انقسامًا، فهي أن الأميركيين سئموا الحرب والعسكرة وتبعاتهما.

مع ذلك، ورغم إرهاق الرأي العام من الحروب، وتفاقم الضغوط الاقتصادية، ووعود السياسيين بإنهاء الحروب التي لا تنتهي، فإن القصور الذاتي أو الجمود – والمصالح الاقتصادية القوية المرتبطة بالحرب – أبقت هذا النهج قائمًا في معظمه.

وبحسب پارسي، السؤال المطروح الآن: هل ستُنهي كارثة ترامب في إيران هذا النمط من السياسات أخيرًا؟ تشير المؤشرات المبكرة إلى أن تداعياتها قد تتجاوز حتى تداعيات حرب جورج بوش الابن الاختيارية في العراق.

في الواقع، انتصرت الولايات المتحدة في حرب العراق في أقل من ثلاثة أسابيع. ولم يكن تفوقها العسكري موضع شك. لكنها خسرت السلام، وفشلت في تحقيق الاستقرار في البلاد بمجرد أن استشرت المقاومة.

أما في إيران، فلم تنتصر الولايات المتحدة حتى في المرحلة العسكرية من الصراع، رغم مواجهتها قوة تقليدية أضعف كثيرًا.

استغلت إيران موقعها الجغرافي وتكتيكاتها غير المتناظرة لإضعاف النفوذ الأميركي وإلحاق نكسة استراتيجية به. والأكثر إثارة للدهشة، أن الادعاءات المبكرة بأن الضربات الجوية الأميركية قد أضعفت بشكل كبير قدرات إيران من الطائرات المسيّرة والصواريخ تبدو الآن مبالغًا فيها.

المشهد الجيوسياسي الخليجي

الدرس واضح: السيطرة على الأجواء لا تضمن السيطرة على النتائج، ومن دون إرادة لنشر قوات برية، ومن دون القدرة على تحويل القوة الجوية وسيطرتها على الأجواء لنتائج حاسمة، تظهر الهيمنة العسكرية الأميركية جوفاء.

في غضون ذلك، وكما أشار بعض الخبراء، رغم فشل حرب العراق في نهاية المطاف، إلا أنها حققت هدفها المباشر: إطاحة نظام صدام حسين. أما في إيران، فيبدو أن العكس هو ما حدث. فبدلاً من إعطاب بالنظام، يُرجّح أن الحرب قد عززته وزادت سيطرته وتشدده، في حين كان يُظن أن النظام ضعيف بسبب الاحتجاجات الداخلية.

يلاحظ ستيفن والت، الأستاذ في جامعة هارفرد، أنه في حين زعزعت حرب العراق استقرار المنطقة، إلا أن تداعياتها العالمية كانت محدودة نسبيًا وتم احتواؤها. فلم تُؤدِّ الحرب إلى أزمة نفطية، أو نقص حاد في الغذاء، أو اضطرابات كبيرة في سلاسل الإمداد. على نقيض ذلك، تسببت حرب إيران بالفعل في اضطراب أسواق الطاقة، ما أدى إلى ارتفاع أسعار النفط والغاز إلى مستويات قياسية، وأطلقت أزمات طاقة في دول عديدة.

ويلفت پارسي إلى أن هذه الحرب ربما تكون قد أعادت تشكيل المشهد الجيوسياسي للخليج بشكل جذري لسنوات أو عقود مقبلة.

وكما أن القوة لا تعني الحرب دائمًا وبالضرورة، كانت الهيمنة أو الصدارة العسكرية للولايات المتحدة خيارًا لا ضرورة. بل تشير حرب إيران مؤخرًا إلى أنها قد لا تكون خيارًا مجديًا بعد الآن.

فالاستراتيجية القائمة على الهيمنة من خلال التصعيد تنهار عندما يصبح استخدام التصعيد نفسه محفوفًا بالمخاطر. والاستراتيجية التي تعتمد على انتصارات حاسمة تنهار عندما يتمكن الأعداء من الدفع باستمرار نحو تأزيم مسار التصعيد من أجل وصوله إلى طريق مسدود.

نظام عالمي بلا هيمنة

يستنتج پارسي أن ما يظهر بدلًا من ذلك هو، على الأرجح، نوع مختلف من النظام العالمي: نظام عالمي لا يُحَدّد أو يُعرّف بالهيمنة، بل بالمنع المتبادل للهيمنة. في مثل هذا النظام العالمي، لا تستطيع القوى العظمى فرض إرادتها ببساطة، ويمكن للدول الأصغر مقاومتها بتكاليف مقبولة. والنتيجة ليست فوضى، بل هي تقييد.

النتيجة الأرجح للمواجهة الحالية بين الولايات المتحدة وإيران ليست صفقة أو اتفاقًا أو عودةً للحرب الشاملة، بل ستكون توازنًا هشًا ومطولاً. وهذا أيضًا من سمات العصر.

قد تنسحب إدارة ترامب من المفاوضات، لكن لا يُرجّح أن تعود إلى حربٍ شاملة. ليس لأن الولايات المتحدة تفتقد القدرة الحربية، بل لأنها تفتقد الحرية الاستراتيجية لاستخدامها. وبالنسبة للدول التي تعتمد بشكل كبير على الحماية الأميركية، ينبغي أن يكون هذا جرس إنذار لتستيقظ.

لا يعني هذا بالضرورة انهيار التحالفات، بل يعني أنها ستتغير. ستلجأ الدول إلى مزيد من التحوط، وتنويع علاقاتها الأمنية، وإيلاء مزيد من الاهتمام لتوازنات القوى الإقليمية بدلاً من الاعتماد على ضامن واحد.

بهذا المعنى، لا تُمثل نتائج حرب إيران انقطاعًا في مسار القوة الأميركية بقدر ما تمثل تسريعًا لاتجاهٍ قائم فعلاً يقلل من جدوى وفعالية سياسات القوة والهيمنة بالتصعيد.

كشفت حربا العراق وأفغانستان حدود فعالية الاحتلال الغربي وتغيير الأنظمة. كما كشفت حرب أوكرانيا هشاشة القوات التقليدية الكبيرة. أما إيران، فتكشف الآن حدود الإكراه العسكري ذاته.

في هذا السياق، تُشير الباحثة بمعهد كوينسي، مونيكا توفت، إلى أن القوى الأصغر حجمًا لا تحتاج إلى ممر مائي حيوي –كمضيق هرمز– لتقييد قوة عظمى كما فعلت إيران بأميركا. يكفيها فعلًا تشكيل التضاريس والجغرافيا كما في أوكرانيا. باختصار: استراتيجية إيران قابلة للتطبيق في أماكن أخرى.

عالم متعدد الأقطاب

تظهر هذه الصراعات مجتمعةً إرهاصات عالم متعدد الأقطاب، ليس بسبب ظهور قوى عظمى جديدة، بل لأن القوى القائمة لم تعد قادرة على الهيمنة كما كانت تفعل سابقًا.

يرى پارسي أن الخطر المحدق بالولايات المتحدة لا يكمن في فقدانها أهميتها أو قوتها، بل في استمرار اتباعها استراتيجية مصممة لعالم لم يعد موجودًا. وينطبق الأمر نفسه على دول، كالمملكة المتحدة، التي اختارت الاعتماد بشكل كبير على الهيمنة العسكرية الأميركية.

وعدت الهيمنة الأميركية بالسيطرة، لكن حرب إيران كشفت عن حدود القوة الأميركية. وفي الفجوة بين الوعد والواقع تكمن على الأرجح نهاية حقبة! وسيكون الفائزون في نهاية المطاف هم من يتكيفون.

 


                                                                           مازن النجار

 

تعليقات



حجم الخط
+
16
-
تباعد السطور
+
2
-