أخر الاخبار

هل دخلت "إسرائيل" مرحلة الاستنزاف التكنولوجي بفعل مسيرات حزب الله

 


لم تكن التصريحات الأخيرة لرئيس وزراء الاحتلال الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، بشأن صعوبة "إسرائيل" في مواجهة مسيّرات الألياف التي يستخدمها حزب الله في المواجهة العسكرية الدائرة الآن، مجرد اعتراف عابر بتحدٍّ أمني طارئ أو سهل، بل وصفها بأنها بالسمّ الذي يتسلل داخل "الجيش" الإسرائيلي ولا علاج سريعاً له، بل بدت وكأنها إقرار رسمي بدخول "إسرائيل" مرحلة جديدة من الصراع، أو حرباً جديدة من نوع مختلف، مرحلة لا تقوم على تبادل النار بالوسائل التقليدية المعروفة في أي مواجهة، بل على الاستنزاف التكنولوجي والنفسي والعسكري طويل الأمد.

عندما يتحدث نتنياهو عن أن مواجهة هذا النوع من المسيّرات تحتاج إلى صبر طويل، فإن ذلك يعني ضمنياً أن المؤسسة العسكرية الإسرائيلية لا تمتلك حتى اللحظة حلاً سريعاً فورياً أو ناجعاً لهذه المعضلة الأمنية التي فاجأ بها حزب الله جنود الاحتلال الإسرائيلي، رغم التفوق التقني الذي طالما تباهت به "إسرائيل" في المنطقة مراراً وتكراراً.

تصريحات نتنياهو في هذا الشأن فتحت الباب أمام تساؤلات مهمة وعميقة، ولعل السؤال الأبرز في هذا السياق، كيف نجح حزب الله في تطوير هذا النوع من المسيّرات؟ ولماذا تبدو "إسرائيل" مرتبكة أمامه؟ وهل دخلت الحرب فعلاً مرحلة تُستنزف فيها منظومات التكنولوجيا الإسرائيلية المتقدمة أمام أدوات أقل كلفة وأكثر تأثيراً؟ والأهم هنا، هل نحن أمام تحول استراتيجي قد يعيد رسم قواعد الاشتباك في المنطقة بأكملها؟

من المعروف أن العقيدة الأمنية الإسرائيلية اعتمدت على فرضية أساسية ثابتة، مفادها أن التفوق التكنولوجي كفيل بحسم أي مواجهة مستقبلية، وقد بنت "إسرائيل" منظومات دفاعية معقدة، وطورت قدرات هائلة في الحرب الإلكترونية والتشويش والرصد الجوي، كما استثمرت مليارات الدولارات في حرب الاستخبارات السيبرانية، وحديثاً في الذكاء الاصطناعي، لكن ما يحدث اليوم على الجبهة الشمالية يكشف أن التكنولوجيا ذاتها يمكن أن تتحول إلى عبء عندما ينجح حزب الله في ابتكار وسائل بسيطة تتجاوز المنظومات التقليدية في أي حرب.

مسيّرات الألياف التي يستخدمها حزب الله، والتي يتحدث عنها قادة الاحتلال الإسرائيلي، تعتمد على مبدأ مختلف نسبياً عن المسيّرات التقليدية، فهي لا تعتمد بشكل كامل على الاتصال اللاسلكي المعتاد الذي يمكن التشويش عليه أو اعتراضه إلكترونياً، بل تستخدم أنظمة اتصال عبر الألياف البصرية أو تقنيات تجعلها أقل عرضة للحرب الإلكترونية.

وهذا ما يفسر حالة القلق الإسرائيلي، لأن إحدى أهم نقاط القوة لدى جيش الاحتلال الإسرائيلي كانت دائماً القدرة على تعطيل الاتصالات في أي مواجهة عسكرية.

الأخطر من الجانب التقني هو البعد النفسي والعسكري لأثر ومفعول هذه المسيّرات، فـ "إسرائيل"، التي اعتادت فرض التفوق الجوي المطلق، تجد نفسها اليوم أمام تهديد صغير الحجم، منخفض الكلفة، صعب الاكتشاف في كثير من الأحيان، لكنه قادر على إرباك قواعد عسكرية، واستهداف مواقع حساسة، وتعطيل الحياة اليومية في المستوطنات الشمالية، وهنا تكمن المفارقة الكبرى، منظومات بمليارات الدولارات تواجه أدوات قد لا تتجاوز تكلفتها بضعة آلاف فقط.

اعتراف بنيامين نتنياهو بالحاجة إلى الصبر ليس مجرد توصيف تقني، بل يحمل أبعاداً سياسية وعسكرية عميقة، ففي العقل الإسرائيلي، تعني كلمة الصبر أن الحرب لن تُحسم سريعاً، وأن الجبهة الداخلية مطالبة بتحمل استنزاف طويل الأمد، وهذه نقطة شديدة الحساسية بالنسبة لـ"إسرائيل" التي قامت استراتيجيتها الأمنية تاريخياً على خوض حروب خاطفة وسريعة تمنع انتقال المعركة إلى الداخل الإسرائيلي لفترات طويلة.

ما يجري اليوم يُظهر أن حزب الله نجح في فرض معادلة مختلفة تماماً فبدلاً من المواجهة التقليدية المباشرة، من الواضح أن الحزب يعتمد على استنزاف تدريجي ومتواصل يقوم على إنهاك الجيش، وإرباك المستوطنين، واستنزاف الاقتصاد الإسرائيلي، وإجبار المستوى السياسي على البقاء في حالة استنفار دائم ، وفي هذا النوع من الحروب، لا يكون الانتصار مرتبطاً بعدد الدبابات أو الطائرات أو حجم العتاد والقوة العسكرية، بل بقدرة كل طرف على تحمل الزمن والضغط النفسي والاقتصادي والتبعات الأخرى.

على الزاوية الأخرى من الصورة، تكشف هذه التصريحات عن أزمة ثقة متصاعدة داخل "إسرائيل" نفسها،فحين يسمع المستوطنون رئيس حكومتهم يعترف بأن الحل ليس فورياً، فإن ذلك ينعكس مباشرة على شعورهم بانعدام الأمان، و "إسرائيل" التي لطالما روّجت فكرة أن جيشها يمتلك الحلول السحرية لأي تهديد، تجد نفسها اليوم أمام واقع يوحي بأن "الجيش" الإسرائيلي يواجه مقاومة تتطور بسرعة، وتتعلم من تجاربها السابقة، وتبحث باستمرار عن الثغرات في المنظومة الأمنية الإسرائيلية.

كما أن هذه التطورات تشير إلى تحول مهم في طبيعة الحروب الحديثة في الشرق الأوسط، فالحروب لم تعد تعتمد فقط على الجيوش النظامية الضخمة أو الأسلحة الثقيلة، بل باتت التكنولوجيا منخفضة الكلفة تلعب دوراً حاسماً ومؤثراً فيها.

المسيّرات الصغيرة، والحرب السيبرانية، ومعها استخدام الذكاء الاصطناعي، وأنظمة الاتصالات البديلة، أصبحت أدوات قادرة على تغيير موازين القوى بشكل تدريجي في أي حرب عسكرية أو مواجهة قائمة ، وفي هذا السياق تبدو "إسرائيل" أمام معضلة مركبة، فهي من جهة لا تستطيع تجاهل هذا التهديد المتصاعد، ومن جهة أخرى تدرك أن أي مواجهة واسعة مع حزب الله ستكون مكلفة للغاية، خصوصاً في ظل الأزمات الداخلية التي تعيشها "إسرائيل" سياسياً واقتصادياً وعسكرياً منذ الحرب على غزة وحتى اليوم، ولذلك فإن حديث نتنياهو عن الصبر قد يكون أيضاً محاولة لتهيئة الرأي العام الإسرائيلي لاحتمال استمرار الاستنزاف لفترة طويلة من دون تحقيق حسم واضح على الجبهة الشمالية مع حزب الله.

ثمة مسألة مهمة في هذا السياق، وهي أن الأمر لا يتعلق فقط بالقدرات العسكرية، بل أيضاً بميزان الردع. فحين ينجح حزب الله في فرض حالة قلق دائم داخل "إسرائيل" عبر وسائل محدودة نسبياً، فإنه يرسل رسالة استراتيجية، مفادها أن التفوق الإسرائيلي لم يعد مطلقاً كما كان في السابق، وهذه الرسالة لها تأثير يتجاوز حدود لبنان، لأنها تُراقَب بدقة من قوى إقليمية أخرى ترى في التجربة نموذجاً لإمكانية مواجهة التفوق العسكري الإسرائيلي بوسائل غير تقليدية وغير مكلفة.

كذلك، تكشف الحرب الحالية حدود القوة الجوية الإسرائيلية، فعلى الرغم من كثافة الضربات الجوية والقدرات الاستخبارية المتقدمة، لا تزال "إسرائيل" تواجه صعوبة في القضاء الكامل على قدرات حزب الله أو منع إطلاق المسيّرات بشكل دائم، وهذا يعيد إلى الأذهان دروس حروب الاستنزاف السابقة، حيث تبين أن القوة العسكرية وحدها لا تكفي لحسم المواجهات ضد حزب الله الذي يعتمد اليوم على وسائل وتكتيكات جديدة.

ومن زاوية أخرى، عندما يصبح التركيز منصباً على كيفية احتواء التهديدات والمطالبة بالصبر بدلاً من إنهائها، فإن ذلك يعني أن ميزان المبادرة لم يعد بيد "إسرائيل" بالكامل، وهذه نقطة بالغة الأهمية في أي صراع، لأن الطرف الذي يفرض إيقاع المعركة يمتلك غالباً أفضلية استراتيجية حتى لو كانت موازين القوى غير متكافئة.

لا يمكن فصل هذه التطورات عن السياق الإقليمي الأوسع، فالمنطقة تشهد سباقاً متسارعاً في تطوير أدوات الحرب غير التقليدية، سواء عبر المسيّرات أم الصواريخ الدقيقة وتقنيات الحرب الإلكترونية، وما يحدث اليوم على الحدود اللبنانية قد يكون نموذجاً أولياً لحروب مستقبلية أقل كلفة وأكثر تأثيراً من الأسلحة التقليدية الثقيلة.

في المقابل، يدرك الاحتلال الإسرائيلي أن مواجهة هذا التحدي تحتاج إلى استثمارات هائلة وتطوير مستمر للمنظومة الدفاعية، لكن المشكلة أن المقاومة الإسلامية في لبنان لا تحتاج إلى إنفاق هذا الكم من المليارات لتحقيق هذا التأثير، وهذه هي معضلة الاستنزاف التكنولوجي بعينها، أن يجد الطرف المتفوق نفسه مضطراً لإنفاق موارد ضخمة لمواجهة أدوات بسيطة نسبياً لكنها فعالة ومؤثرة، وهذا ما جرى مع المقاومة الفلسطينية في تجربتها، عندما طورت سلاح الياسين 105 خلال الحرب على غزة، والذي يعد نسخة مطورة تحاكي قدرات سلاح الكورنيت، والذي سجل تأثيراً كبيراً في مواجهة سلاح المدرعات الإسرائيلي.

تبدو تصريحات نتنياهو أكثر من مجرد ملاحظة عسكرية هامشية، بل إنها مؤشر على تحول عميق في طبيعة الصراع الدائر بين حزب الله و"إسرائيل"، فـ "إسرائيل" التي لطالما اعتمدت على الردع السريع والتفوق التقني تجد نفسها اليوم عاجزة أمام حرب بطيئة مفتوحة على احتمالات طويلة، ومسيّرات الألياف ليست مجرد سلاح جديد فحسب، بل هي رمز لمرحلة كاملة تتآكل فيها فكرة الحسم السريع التي شكلت أساساً وركيزة في العقيدة الأمنية الإسرائيلية لعقود.

من الواضح أن المواجهة دخلت بالفعل عصر الحروب الذكية منخفضة الكلفة، حيث يمكن لطائرة صغيرة أن تربك جيشاً كاملاً، ويمكن لتكنولوجيا بسيطة أن تفتح ثغرات في أكثر المنظومات تطوراً، وفي هذا المشهد تبدو "إسرائيل" أمام تحدٍّ لا يتعلق فقط بكيفية إسقاط المسيّرات، بل بكيفية استعادة صورة الردع التي تصدعت وتآكلت تدريجياً تحت ضغط حرب الاستنزاف التكنولوجي.

بهذا النوع الجديد من المواجهة، استطاع حزب الله إدخال "إسرائيل" في حرب من نوع مختلف عنوانها الاستنزاف التكنولوجي بفعل المسيّرات، لا لأن هذه المسيّرات تمتلك تفوقاً تكنولوجياً مطلقاً، بل لأنها نجحت في ضرب نقطة الضعف الأخطر داخل العقيدة العسكرية الإسرائيلية، وهنا المقصود الكلفة العالية مقابل التهديد منخفض الكلفة يجد "جيش" الاحتلال الإسرائيلي نفسه مضطراً إلى تشغيل منظومات دفاعية معقدة ومكلفة على مدار الساعة، واستخدام وسائل اعتراض ورصد متطورة لمواجهة هذا النوع من المسيّرات.

وهذه المعادلة بحد ذاتها تمثل شكلاً واضحاً من أشكال الاستنزاف، والأخطر أن مسيّرات حزب الله لا تعمل فقط كسلاح هجومي، بل كسلاح إنهاك طويل الأمد، فهي تدفع "إسرائيل" إلى استهلاك مواردها الدفاعية، وتفرض عليها تطوير حلول تقنية جديدة بشكل مستمر، في وقت تتزايد فيه الضغوط على الجبهة الداخلية والاقتصاد والجيش معاً، وهذا ما يفسر حديث نتنياهو عن أن المواجهة تحتاج إلى صبر، لأن المشكلة ليست حدثاً أمنياً عابراً، بل تحدياً بنيوياً يتكرر يومياً ويستنزف المنظومة الإسرائيلية تدريجياً.

ما يحدث اليوم لا يمكن قراءته فقط كمعركة ميدانية محدودة، بل كتحول استراتيجي أوسع، حيث تعمل المقاومة الإسلامية في لبنان على فرض معادلة تقوم على إنهاك التفوق الإسرائيلي ، من هنا تفرض مسيّرات حزب الله داخل المنظومة الإسرائيلية تآكلاً مستمراً ومكلفاً في الوقت ذاته.

 

                                                                 شرحبيل الغريب

 

تعليقات



حجم الخط
+
16
-
تباعد السطور
+
2
-