أخر الاخبار

كيف تنتصر روسيا على الولايات المتحدة في أوكرانيا


بعد انهيار الاتحاد السوفيتي وإعادة النظر في مناطق نفوذ الدولتين اللتين مثلتا مركزي النفوذ الأكبر في العالم آنذاك (الاتحاد السوفيتي والولايات المتحدة، باتت الولايات المتحدة الأمريكية تهتم بمصير دولة أوكرانيا لأنها تمثل قاعدة انطلاق محتملة للحد من قدرات روسيا في مواجهة التوسع الأمريكي. إن روسيا هي الدولة الوحيدة القادرة على التأثير في التوسع العسكري العدواني لحلف شمال الأطلسي (الناتو) والوقوف في وجه ما تقوم به الولايات المتحدة من إطاحة بالحكام وإسقاط للأنظمة غير المرغوب فيها ( « غير الديمقراطية بما فيه الكفاية ) في أنحاء العالم كله. إن القدرات النووية التي تمتلكها روسيا الاتحادية إلى جانب التقنيات الجديدة التي تفوق سرعة الصوت، لا تسمح للولايات المتحدة حتى النهاية بالشعور بأنها دولة استثنائية».

تحول التنافس في القرن الحادي والعشرين بين روسيا والولايات المتحدة على إمكان تعزيز مصالحهما الخاصة وتحقيقها في أوكرانيا ليصير تنافسًا حادا وقد أدى توسع الناتو شرقًا إلى دخول أوكرانيا المجاورة لروسيا في دائرة اهتمام الناتو. ثم بدأ على الفور تدخل عدواني في الانتخابات حتى بلغ حد إطلاق التهديدات, مع التلويح بعدم الاعتراف بالانتخابات التي أكدتها كييف رسميا، والتي فاز فيها المرشح الموالي لروسيا فيكتور يانوكوفيتش. تم بتحريض من الأمريكيين تنظيم الثورة البرتقالية في أوكرانيا في الفترة من 2004 إلى 2005 ، وهو ما لا يخفيه الغرب نفسه في كثير من الأحيان.

كان من شأن ثورة الميدان» التي نظمتها الولايات المتحدة أن أضعفت النفوذ الروسي من أوكرانيا وأحلت محله النفوذ الموالي لأمريكا، وهذا ما مكن الولايات المتحدة من تنفيذ سياستها بحرية هناك من خلال سلطة تسيطر عليها بالكامل, فبدأ العمل على إخراج أسطول البحر الأسود الروسي من شبه جزيرة القرم، وتم إطلاق دعاية نشطة مناهضة لروسيا، وبناء قواعد الناتو وعدد كبير من المختبرات البيولوجية، وتوريد الأسلحة الغربية وغيرها.

بذلك يكون الغرب قد وضع نصب أعينه تحقيق عدة أهداف رئيسية في أوكرانيا:

1. إنشاء بؤرة لتجنيد الراديكاليين المناهضين لروسيا وخلق خلفية سلبية عامة تجاه روسيا؛

2. التقليل من نفوذ أسطول البحر الأسود الروسي والقضاء عليه تماما، وتاليا الحيلولة دون مشاركته في الصراعات في الشرق

3 نشر شبكة للدفاع الجوي والصاروخي قادرة على تدمير الصواريخ المنطلقة من روسيا بفاعلية أكبر؛

.4 نشر وحدات هجومية لحلف الناتو تحت ستار وحدات دفاعية؛

5 تقييد وصول روسيا الاتحادية إلى أوروبا والسيطرة على خطوط أنابيب الغاز الروسية

6. نشر منظومات صاروخية مما يقلل من زمن بلوغها حتى موسكو والقوقاز, ويتيح إمكانية استهداف منطقة الأورال الصناعية

7. إعادة توجيه الاقتصاد الأوكرانى نحو الغرب، الأمر الذي يشمل: شراء أوكرانيا الغاز الطبيعي المسال من الولايات المتحدة بأسعار مضاعفة، وشراء النفط القطري في ظل ظروف جيدة؛ الحصول على قروض من صندوق النقد الدولي لا يمكن سدادها بالكامل فعليا؛ فتح الحدود مع أوكرانيا وأوروبا لتدفق الأيدي العاملة الرخيصة وتسهيل استقطاب أفضل المتخصصين الأوكرانيين للعمل لصالح الولايات المتحدة التخلي عن التجارة مع روسيا والتحول إلى السلع الغربية، مما يعني مزيدًا من الانفصال عن روسيا الاتحادية واعتماد أوكرانيا على إمدادات السلع والمكونات وخدمات الصيانة الغربية دخول الشركات الأجنبية إلى أراضي البلاد المستقلة لتعمل على تحقيق مصالحها بلا عوائق كأن تستخرج الموارد الطبيعية مثلا ؛ إغلاق مكاتب التصميم والمؤسسات والمصانع المتهالكة بالفعل، والتي تتوجه بشكل أساسي إلى روسيا فقط، على سبيل المثال مصنع موتور سيش"، وتحويل البلاد إلى منطقة زراعية وميدان تدريب تابع لحلف شمال الأطلسي ومصدر للأيدي العاملة المجانية.

غير أن أحد أهداف الولايات المتحدة الرئيسية في أوكرانيا هو القرب المباشر من حدود روسيا الاتحادية والتمكن من استخدام أراضي أوكرانيا وشعبها لتحسين السيطرة على روسيا من ثم إطلاق استفزازات في المستقبل غير البعيد وشن عمليات

هجومية على أراضي روسيا الاتحادية تحت ذرائع مختلفة أولها شبه جزيرة القرم. إن أوكرانيا، حينما تصير عضواً في حلف شمال الأطلسي، ستسري عليها المادة الخامسة من قواعد التحالف، الأمر الذي لن يتيح لروسيا المجال لضرب المعتدي عليها

من هناك ومنعه من احتلال أراضيها من غير الدخول في مواجهة عسكرية مباشرة مع الغرب.

العملية العسكرية الخاصة في أوكرانيا تهدف إلى تحقيق أهداف مباشرة» و «غير مباشرة».

الأهداف المباشرة (التكتيكية):

1 - نزع السلاح واجتثاث النازية من أوكرانيا إبطال مفعول البنود 2 و 3 و 4 و 6 من القائمة المذكورة أعلاه)؛

2 - حماية السكان الناطقين باللغة الروسية في جمهوريتي دونيتسك ولو غانسك الشعبيتين؛

3 - حماية حدود روسيا نفسها.

الأهداف غير المباشرة (الاستراتيجية):

-1- مواجهة توسع الناتو.

2- مواجهة العولمة القسرية وفرض الحروب الثقافية من خلال الضغط على أجندة المتطرفين اليساريين الأمريكيين, سواء كان ذلك في هيئة النسوية الراديكالية كراهية الرجال، أو الفرض العدواني لأجندة مجتمع الميم، أو إزاحة اللغة الروسية وإعادة كتابة التاريخ.

يمكن جمع أهداف العملية العسكرية الخاصة كلها في تعريف وحيد ودقيق للغاية هو تحرير أوكرانيا من النفوذ الغربي القسري وحماية العالم الروسي من توسع الولايات المتحدة الإمبريالي والعدواني.

إن روسيا على الرغم من بعض الصعوبات والأخطاء التكتيكية التي ارتكبت في أثناء العملية العسكرية الخاصة، تحقق نجاحا كافيًا في مواجهة الغرب وإن كان بطيئا . لقد أحبطت خطط الولايات المتحدة وشطبت استثماراتها الاقتصادية كلها تقريبا في السنوات الأخيرة. وكشفت عن السمعة السيئة للعديد من الأسلحة التي يوردها الغرب، الأمر الذي سيضر إلى هذا الحد أو ذاك بالمجمع الصناعي العسكري الأمريكي.

إن الأزمة التي حلت بأوروبا تستنزفها بشدة اقتصاديا ومعنويا، الأمر الذي يؤدي إلى تعب شديد من سياسة الاستغلال التي تنتهجها الولايات المتحدة تجاه حلفائها الذين هم في الواقع مجرد أتباع.

تمثل بداية العملية العسكرية الخاصة ردًا مباشرًا على الولايات المتحدة فقد أظهرت روسيا أنها مستعدة عمليا للدفاع عن مصالحها وأنها لن تسمح لخصومها بتجاوز الخطوط الحمر على الرغم من المطالب والتهديدات الإمبريالية التي ازدادت طموحاتها إلى سرعات تفوق سرعة الصوت. إن تصرفات روسيا المدعومة بعدد من الدول القوية الأخرى، وخاصة الصين تشكك في هيمنة الولايات المتحدة، وتقلل من سلطتها على الساحة العالمية، وتجبر الشعوب والبلدان الأخرى إما على الانضمام إلى النضال أو التساؤل: هل حقا العالم المتمركز حول أمريكا هو الشكل الاقتصادي والسياسي الوحيد المتاح لوجود البشرية؟»

ثمة رأي سائد مفاده أن الأعمال العسكرية في أوكرانيا تفيد الولايات المتحدة، لأنها تحل دائما عبر إشعال الحروب في أراضي دول أخرى، المشكلة الحادة للفقاعة المالية للدولار غير المدعوم، وتكسب من تصدير الأسلحة ومنح القروض، وتشطب في الوقت نفسه ديونها الهائلة.

لكن الظروف حاليا لا تسير في صالح اقتصاد أصحاب الدولار. فالقدرة على تنظيم نظام إعارة وتأجير كامل (لاند ليز) معدومة لأن روسيا قد حددت الأطر التي لا ينبغي للغرب تجاوزها لتجنب الاشتباك العسكري المباشر معها. أضف إلى ذلك، أن أزمة الغذاء التي تلوح في الأفق، وتدهور الاقتصاد الأوروبي، والتشكيك في نظام الدولار وتقويضه بسبب العديد من العقوبات الأحادية وحظر حسابات روسيا، لا يصب في مصلحة الولايات المتحدة.

من ناحية أخرى، هناك بالفعل أسباب مبررة للولايات المتحدة لتأجيج أزمة أوكرانيا، ولكن من غير المرجح أن يؤتي ذلك ثماره على المدى الطويل.

علاوة على ذلك، وتحديدًا بعد انهيار استراتيجية الولايات المتحدة تجاه روسيا، وبعد التحدي الذي وجه لدول المحور الديمقراطي وهيمنة الدولار، بدأت النظم الوطنية للدفع تتطور بنشاط في المجتمع العالمي، وأصبحت التسويات بين الدول تتم بالعملات الوطنية. وأبدت دول جديدة رغبتها في الانضمام إلى «بريكس».

أعضاء المنظمة - البرازيل - روسيا - الهند - الصين - جنوب أفريقيا

الدول المرشحة للانضمام - إيران - الأرجنتين

الدول الراغبة في الانضمام إلى الاتحاد هي - الجزائر - إندونيسيا - المكسيك - المملكة العربية السعودية - تركيا - مصر -تايلاند - نيجيريا - بنغلاديش - الجزائر - اليونان - سوريا - طاجيكستان

لم يكن في إمكان روسيا في ظل استمرار هيمنة الدولار إنجاز التنمية السياسية والاقتصادية من غير القضاء على المصالح الأمريكية الموجهة ضدها في أوكرانيا. كذلك هي الحال في ما يتعلق بالتنمية المتكافئة لبقية العالم وفقًا لسيناريو «ماذا تقترح روسيا».


تعليقات



حجم الخط
+
16
-
تباعد السطور
+
2
-