ليست المشكلة في أن يوقّع العراق اتفاقيات مع الأردن، وليست في مبدأ التعاون بين الدول، فالعلاقات العربية لا تُبنى بالقطيعة ولا تُدار بمنطق الخصومة، وإنما المشكلة حين تتحول الدبلوماسية إلى مهرجان للمجاملات السياسية، وتصبح مذكرات التفاهم غاية بحد ذاتها، فيما يبقى السؤال الجوهري معلقاً: ماذا أخذ العراق فعلياً، وماذا سيجني المواطن العراقي من هذه الزيارات والوفود ومراسم التوقيع؟
تسع مذكرات تفاهم وبرامج تنفيذية أُعلن عن توقيعها برعاية رئيس مجلس الوزراء العراقي علي فالح الزيدي ورئيس الوزراء الأردني، شملت حماية البيئة والمستهلك والمنافسة ومنع الاحتكار والتعليم والثقافة والتربية والمشاريع الصغيرة والمتوسطة والوثائق والتعاون الدبلوماسي. عناوين تبدو براقة في البيانات الرسمية، لكنها لا تكفي وحدها لإثبات وجود إنجاز اقتصادي أو خدمي حقيقي. فالفارق كبير بين توقيع مذكرة على الورق وصناعة تغيير ملموس في حياة الناس، وبين صورة تذكارية أمام الكاميرات وسياسة حكومية تُقاس نتائجها بالأرقام والوقائع لا بعدد المصافحات والابتسامات.
العراق ليس دولة فقيرة تبحث عن نافذة للتنفس، ولا بلداً عاجزاً عن امتلاك الإمكانات البشرية والمالية والمؤسساتية التي تؤهله لبناء علاقات متكافئة. إنه بلد يمتلك الثروة النفطية والسوق الواسعة والموارد البشرية والموقع الاستراتيجي، ومع ذلك ما زال المواطن يواجه أزمات الخدمات والبيئة والأسعار والبطالة. ومن هنا يصبح من حق الرأي العام أن يسأل بوضوح: هل دخل العراق هذه الاتفاقيات من موقع الدولة التي تعرف ماذا تريد، وتفاوض على أساس مصالحها، أم من موقع الدبلوماسية التي تفرح بكثرة المذكرات وتترك نتائجها للمستقبل المجهول؟
أما الأردن، فمن حقه الطبيعي أن يسعى إلى توسيع علاقاته الاقتصادية والتجارية والاستثمارية، وأن يبحث عن فرص تخدم اقتصاده ومصالح مواطنيه. لكن العلاقات بين الدول لا تُدار بالعواطف وحدها، ولا يجوز أن يتحول خطاب الأخوة العربية إلى مظلة تمنع النقاش في توازن المصالح. فكل دولة تتحرك وفق حساباتها الوطنية، ومن واجب الدولة العراقية أن تفعل الشيء نفسه، لا أن تكتفي بتبادل المجاملات ثم تطلب من المواطن أن يصفق للإنجاز قبل أن يرى نتائجه.
