يُعد تعزيز الامتثال المصرفي ورفع قدرة المصارف
العراقية على التعامل مع الأنظمة المالية الدولية خطوة جوهرية لتحسين مكانة العراق
ماليًا، وخفض كلف التحويلات الخارجية، وإعادة الثقة لدى الشركات الأجنبية الساعية
لدخول السوق العراقية، فالإصلاح الحقيقي يبدأ من تطوير البنية المصرفية، وليس من
خلال حلول مؤقتة أو شكلية لا تمتلك القدرة على معالجة المشكلات العميقة في هذا
القطاع.
وفي هذا السياق، تبرز حاجة العراق إلى خطوات
جريئة تشمل توحيد أنظمة الدفع، وتحديث الأدوات المالية، وتطوير البنى التكنولوجية
للمصارف بما ينسجم مع المعايير العالمية، فاستمرار العقوبات الدولية المفروضة على
بعض المصارف العراقية والتي باتت أشبه بقيود تنظيمية يحد من حركة الأموال ويعطّل
قدرة المصارف على جذب الودائع أو تقديم التمويل اللازم لتحريك السوق، الأمر الذي
ينعكس سلبًا على النشاط الاقتصادي ككل.
كما أن رفع هذه العقوبات وتحسين التصنيف
الائتماني للمصارف سيكونان نقطة تحوّل حقيقية تمكّن القطاع المصرفي من الاندماج في
النظام المالي العالمي والتعامل مع البنوك الدولية الكبرى، لكن هذا التحول يبقى
مرهونًا بإصلاحات شاملة تُعيد بناء الثقة وتعزز الشفافية.
ومن جانب آخر، فإن المواطن لا يجد دافعًا لوضع
أمواله في المصارف ما دامت الخدمات بطيئة والأنظمة قديمة والإجراءات الروتينية تستنزف
الوقت والجهد، لذا فإن تطوير خدمات الدفع الإلكتروني وتبسيط العمليات وإنشاء منصات
مالية رقمية متقدمة ستسهم في تغيير ثقافة التعامل مع المصارف وتقليل الاعتماد على
النقد الورقي وتحسين العلاقة بين المواطن والقطاع المالي.
ويمتلك العراق كتلة نقدية ضخمة خارج الجهاز
المصرفي، وهي كتلة قادرة على إحداث تحوّل اقتصادي كبير إذا ما دخلت في الدورة
المالية الرسمية غير أن ذلك يتطلب تعزيز الثقة، وتوفير خدمات مصرفية متطورة وتنفيذ
إصلاحات بنيوية تعيد تشكيل القطاع المصرفي بما يتوافق مع متطلبات المرحلة المقبلة.
وبناءً على ما تقدّم، يبدو واضحًا أن مستقبل
الاقتصاد العراقي يرتبط ارتباطًا مباشرًا بمدى نجاح إصلاح القطاع المصرفي،
فاستمرار بقاء الكتلة النقدية خارج النظام المصرفي يعني استمرار تجميد السيولة
وتعطل الاستثمارات وتباطؤ الحركة الاقتصادية، أما إدخال هذه الكتلة إلى النظام
الرسمي فسيخلق فرصًا استثمارية جديدة ويحرك السوق ويعزز النمو الاقتصادي ويدعم
استقرار الدينار.
الكاتب: مصطفى حنتوش

