أخر الاخبار

التفاوض تحت النار: حدود القوة الأميركية في مواجهة الصمود الإيراني

 


في مواجهة الولايات المتحدة، لم يعد هناك مجالاً للأوهام السياسية أو مساحة للرهان على حسن النوايا، فالتجربة تُثبت بوضوح أنّ واشنطن، خاصةً حينما يقودها رئيس مثل دونالد ترامب، لا تتعامل إلا بمنطق القوة، ولا تقرأ التماهي مع مطالبها إلا بوصفه ضعفاً ينبغي استغلاله، لا مبادرة تستحق التقدير. من هنا، لا يصبح الثبات في مواجهة البيت الأبيض خياراً يمكن النقاش حوله، بل قاعدة استراتيجية لا بديل عنها.

وهذا ما تعيه القيادة الإيرانية اليوم أكثر من أي وقتٍ مضى، وتُدير معركتها مع ترامب على أساسه. فمنذ استشهاد السيد علي خامنئي في أيام العدوان الأولى، وحتى اليوم مع محاولات القوات الأميركية فرض حصار على الموانئ الإيرانية وفتح مضيق هرمز بالقوة، ترفع طهران شعاراً واحداً لا يتغيّر، وهو "الثبات على الموقف"، والاستعداد للذهاب مع الخصم إلى أبعد مدى، مُستلهمةً كلمات علي الأكبر لأبيه الإمام الحسين في الطريق إلى كربلاء منذ مئات الأعوام، حين قال:"يا أبتِ، أَوَلسنَا عَلَى الحَقّ؟! إذاً لا نُبالي".

التراجع مفتاح الهزائم

تعتبر حسابات القوة والمصلحة المُحرّك الفعلي للسياسة الأميركية، بعيداً عن الشعارات الأخلاقية أو المبادئ المثالية التي تروّج لها. ويتجلّى هذا السلوك في نمط متكرّر؛ فعندما تواجه واشنطن خصماً يُبدي تردّداً أو استعداداً للتنازل تحت وطأة الضغوط، فإنها تندفع لفرض إرادتها إلى أقصى حدٍ ممكن، معتبرة أنّ التراجع هو المدخل الأوسع للهزيمة الكاملة.

​في المقابل، يتغيّر المسار الأميركي جذرياً عند الاصطدام بخصم صلب يمتلك القدرة على الصمود وامتصاص الضربات والاستمرار في المواجهة. في هذه الحالة، تتخلّى الإدارة الأميركية عن سياسة الإملاءات وتبدأ في إعادة تقييم الموقف، باحثة عن بدائل براغماتية تتنوّع بين الاحتواء أو التفاوض أو حتى الانسحاب التكتيكي لحماية مصالحها من استنزاف أكبر.

بناءً عليه، يظلّ الثبات الميداني هو الضمانة الوحيدة لمنع واشنطن من تحويل الضغط إلى استسلام كامل، حيث لا تحترم هذه السياسة إلا الندّ القوي الذي يُثبت أنّ تكلفة إخضاعه تتجاوز بكثير عوائد الانتصار عليه.

العامل البشري الأميركي كنقطة ضعف

رغم الهيمنة التكنولوجية والآلة العسكرية الأميركية الجبّارة، يبرز العامل البشري كثغرة استراتيجية وجوهرية في بنية القوة؛ فالجيش الأميركي يتحرّك ضمن إطار مؤسسي براغماتي تحكمه الوظيفة والمصلحة، ويفتقر إلى الدوافع العقائدية الصلبة التي تدفع المقاتل للصمود في معارك الوجود.

هذا التباين في العقيدة القتالية يمنح الخصم المؤمن بقضيته ميزة الصمود النفسي والميداني التي تعجز التقنيات الحديثة عن تعويضها أو كسرها.

​والأخطر من ذلك، هو طبيعة المجتمع الأميركي ذاته، الذي يتّسم بحساسية مفرطة تجاه الخسائر البشرية في حروب الاستنزاف الطويلة، فمع كلّ تابوت يعود من خلف البحار، يتصدّع جدار التأييد الشعبي ويتحوّل الرأي العامّ إلى قوة ضغط هائلة تشلّ يد صانع القرار في البيت الأبيض.

إنّ هذه المعادلة تجعل من استراتيجية "النفس الطويل" سلاحاً فتّاكاً؛ فكلّما ارتفعت الكلفة الإنسانية وتجاوزت الحرب سقف التوقّعات الزمني، وجدت واشنطن نفسها مضطرة للتراجع أمام الضغط الداخلي المتصاعد.

لذا، فصحيح أنّ التفوّق التقني قد يربح المعارك السريعة، لكنه ينهزم أمام الإرادة البشرية التي لا تخشى الموت، لأنّ المجتمع الأميركي يقدّس الرفاهية والاستقرار، مما يجعل استمرار النزيف البشري بمثابة انتحار سياسي لأيّ إدارة، ويجبر القوة العظمى على الخضوع لمنطق الحسابات البشرية قبل العسكرية.

"مفاوضات" تحت تهديد الحصار

في تعاملها مع إيران، تتبنّى الولايات المتحدة استراتيجية "التفاوض تحت النار"، إذ تسعى لفرض اتفاقية إذعان عبر الجمع بين الحصار الاقتصادي الخانق والتهديد بالعودة إلى الخيار العسكري، كما جاء في تصريحات ترامب لشبكة "فوكس نيوز" مساء الـ4 من أيار/مايو 2026 .

في الحقيقة، وضعت الإدارة الأميركية نفسها في مأزق خطير، فهي عندما جيّشت حاملات طائراتها، وتعاونت مع "إسرائيل" لقصف إيران في نهاية شباط/فبراير، كان هدفها المُعلن هو إسقاط النظام أو على الأقل إجباره على تغيير سلوكه، إلا أنّ مساعيها خابت، لأنّ النظام الإيراني تخطّى الأزمة، واستطاع الاستمرار رغم استشهاد عدد كبير من قياداته.

وهو مع يؤكّد أنّ إيران، على مدار 47 عاماً، نجحت في تكريس نموذج "دولة المؤسسات" التي لا ترتهن بوجود فرد واحد، بل تستمد استمراريتها من هيكل تنظيمي صلب وقادر على إدارة الأزمات بكفاءة، ومن جهة أخرى، كشفت التجربة عن وجود قاعدة عريضة للغاية من المؤمنين بمبادئ الثورة، والمستعدّين لحمل الراية والاستمرار في المواجهة حتى في أحلك الظروف وأصعبها.

​المهم أيضاً، أنّ إيران خرجت بمكسب اقتصادي واستراتيجي هائل، تمثّل في تكريس تحكّمها الفعلي في مضيق هرمز؛ هذا الشريان الحيوي الذي يمرّ عبره 20% من إمدادات النفط العالمي، ما منحها ورقة ضغط عالمية غير مسبوقة تفرض بها واقعاً جديداً على خارطة القوى الدولية.

وهنا، تعمّق المأزق الأميركي، وتراكم الفشل، ما دفع ترامب للإعلان عن فرض حصار على الموانئ البحرية الإيرانية، كمحاولة للضغط على الشعب الإيراني بالأساس، مراهناً على أنّ تشديد العقوبات الاقتصادية وفرض الحصار البحري يمكن أن يؤدّي إلى "انفجار داخلي" إلا أنّ هذا الرهان الأميركي اصطدم مرةً أخرى بصخرة الوعي الشعبي؛ فبدلاً من الانقلاب على السلطة، ولّد الضغط الخارجي حالة من القومية الدفاعية، ما أفشل مشروع الرهان على الداخل.

ثم جاءت أحداث يوم الاثنين لتكشف بوضوح حدود القوة الأميركية؛ فمحاولة واشنطن كسر الإرادة الإيرانية عبر "مشروع الحرية" وتسيير السفن العالقة عنوةً باءت بالفشل، والسبب يعود إلى صمود البحرية الإيرانية وتهديدها بتوسيع دائرة الصراع لتشمل حلفاء واشنطن الإقليميين.

لذا، تجد واشنطن نفسها مضطرة للتمسّك بالوسيط الباكستاني كقشّة نجاة، محاولةً تحويل انكسارها الميداني إلى مكسب دبلوماسي.

ما يجري اليوم هو، ببساطة، صراع بين طرف مغرور يريد التفاوض وهو يضع السيف على رقاب خصومه، وبين طرف يمتاز بالصلابة، ويملك القدرة على امتصاص الضربات وتدفيع الخصم ثمناً بشرياً وسياسياً باهظاً.

قريباً.. معادلات جديدة تحكم علاقة الجنوب بواشنطن

لقد أثبتت الحرب الدائرة بين إيران والولايات المتحدة حقيقة غائبة عن الكثيرين؛ وهي أنّ الولايات المتحدة، رغم جبروتها، تظلّ دولة من "لحمٍ ودم" ويمكن هزيمتها أمام من يستعدّ لمواجهتها بصدق.

إنّ النتائج التي نراها اليوم تؤكّد أنّ الخروج عن طاعة واشنطن ومخاصمتها ليس انتحاراً، بل هو طريق يتطلّب الاستعداد الجيّد عبر بناء اقتصاد مستقل، وصناعة تنمية حقيقية نابعة من الداخل لتحقيق الاستقلال الاقتصادي المنشود، مع الاستعانة بالحلفاء لبناء أسلحة قوية، ودراسة الواقع العسكري للخصم بدقة لمواجهته بأقل الإمكانيات.

لكنّ الأمر لا يتوقّف عند الاقتصاد والعتاد، بل لا بدّ أن يمتد إلى "الإيمان".. إلى وجود قيادات عسكرية وأعضاء حكومة ومتطوعين بالملايين يحملون عقيدة يؤمنون بها، وهذا هو العامل الأهمّ، بل هو العامل الذي يُبنى عليه كلّ شيء.

قريباً، ستتحوّل إيران إلى نموذج ملهم لدول الجنوب ودول العالم الثالث، لتثبت أنّ القوة العسكرية الأميركية وانتصاراتها ليست قدراً محتوماً علينا، بل يمكن تغيير هذا الواقع تماماً. إنّ ما تملكه إيران من إيمان، واستقلال اقتصادي، وتسليح ذاتي، وتعاون ذكي مع الحلفاء، هو المعادلة التي كشفت أنّ الهيمنة يمكن كسرها، وأنّ إرادة الشعوب المستقلة هي التي ستكتب تاريخ المستقبل.

 

                                                                     السيد شبل

تعليقات



حجم الخط
+
16
-
تباعد السطور
+
2
-