لم يكن العراقيون يتوقّعون في ذلك الصيف اللاهب من عام 2014، أن يفرز الخطر المُحدق بوجودهم؛ قوةً استراتيجية ستعيد رسم خارطة البلاد الأمنية والسياسية لأكثر من عقد ونيّف.
فحين أصدر المرجع الديني الأعلى السيد علي
السيستاني فتواه التاريخية التي دعا فيها المواطنين القادرين على حمل السلاح أن
يهبّوا دفاعاً عن الوطن والمقدّسات، لم تكن ثمّة مؤسسة قائمة ولا هيكل جاهز ولا
ميزانية مرصودة، بل كانت هناك إرادة شعبية عارمة وجرح غائر في الكرامة الوطنية،
بعد أن سقطت الموصل وامتدّت سطوة عصابات "داعــــش" الإرهــابيــة لتبتلع
ثلث مساحة العراق في غفلة من تاريخنا المعاصر.
ومنذ ذلك الحين وحتى الذكرى الثانية عشرة التي
نحتفي بها اليوم مرّت مسيرة الحـشـد الشـعـبـي بخطى ثقيلة، حافلة بالــدم والتضحية
والجدل والتحوّل، لتجد العراق أمام مؤسسة أمنية باتت من أكثر الملفات تعقيداً وحضوراً
وإثارة للجدل في المشهد الوطني والإقليمي معاً، نتيجة الفواعل السياسية المخطئة.
يقف العراقيون في هذه الذكرى أمام مرآة تعكس
صورة بلد تشكّلت ملامحه من رحم المحنة. فالحشد الشعبي ليس تلك الكتل البشرية
المتدفّقة من الأزقّة والأسواق والمساجد التي التحمت بجبهات الأنبار وصلاح الدين
وديالى ونينوى قبل اثنتي عشرة سنة؛ فقد أصبح مؤسسة رسمية ذات هيكل رسمي وأذرع
إدارية وميزانية حكومية وقانون خاصّ يُنظّم وجوده ويُحدّد مساراته، وهو تحوّل يحمل
في طيّاته ثقلاً من الأسئلة الصعبة التي لا يحقّ لأيّ مراقب صادق أن يتجاهلها.
فضلاً عن الفتوى التي لم تكن مجرّد إعلان عن
تكليف ديني طارئ، بل كانت عقداً اجتماعياً بين مرجعية النجف وجمهور متنوّع من
العراقيين، الذين رأوا في الانهيار العسكري المدوّي عام 2014 مهانة وطنية بالغة.
فالجيش الذي أُسّس بأموال طائلة وتدريب أميركي مطوّل تفكّك في لحظات، وهذا ليس
عيباً أو عجزاً فيه؛ إنما بسبب الحقن الطائفي والتخندق السياسي المنسوج على منوال
خيوط المؤامرة الخارجية التي حِيكت لصناعة "داعـــش"، وتثبيت قواعد نظام
عالميّ جديد، فتركت الدولة مواطنيها وجهاً لوجه أمام وحشية تنظيم استباح المحرّمات
كلّها. في تلك اللحظة بالذات، أعاد المتطوّعون من أبناء الفتوى المباركة صياغة
معنى الانتماء الوطني، وحملوا معهم دوافع متشعّبة الجذور من الدين والقبيلة
والعشيرة والمناطقية والقومية العراقية بمعناها الجامع، إذ إنّ هذا التنوّع في
الدوافع هو ما جعل الحــشـد قوة بالغة الفاعلية في ميدان القتال، وهو نفسه ما
يُشكّل اليوم تحدّياً حقيقياً في مسيرة بنائه مؤسسة وطنية موحّدة تتجاوز
الانتماءات الفرعية.
لقد نقشت دمــاء الفداء التي سطّرها الحــشــد
في الذاكرة العراقية مشاهدة كثيرة لن يُفلح الزمن في محوها. فتحرير تكريت في
آذار/مارس 2015 كان الاختبار الأول له بوصفه قوة هجومية منظّمة تقاتل الى جانب
الصفوف الأمنية التي أُعيد تنظيمها بمدة وجيزة بفضل نخبة من القادة الأبطال، وفي
طليعتهم عميد دماء الـحشـد وقائد النصر الشهيد أبـو مـهـدي المـهندس (يرحمه الله)،
وسط تعقيدات دولية بالغة ومطالبات بإبعاده عن العمليات الأمنية، بعد أن قلب
العراقيون المعادلة وأفشلوا المؤامرة الدولية التي وصل بها الحدّ إلى إلقاء
الطائرات التابعة لما يُسمّى بالتحالف الدولي الإمدادات والدعم اللوجستي لـ
"داعـش". ثم جاء تحرير الفلوجة في حزيران/يونيو 2016، لتكشف العملية عن
أنّ الــحشــد قادر على الإنجاز الميداني لكنه يحتاج إلى منظومة ردع جوية تسانده
في عمليات التحرير، إلّا أنّ ذلك المطلب كان دعاءً غير مستجاب. ليستمرّ في بسالته
على الرغم من قلّة العُدّة والعدد حتى وصل إلى الموصل وخاض ملحمة التحرير الشرسة
بين عامَي 2016-2017، النقطة المضيئة الأبرز في سجل الحــشــد؛ تلك المعركة التي
استنزفت عديداً وعُدّة لأكثر من تسعة أشهر، وأبلى فيها رجال الــحشـد بلاءً حسناً
في المحاور المحيطة بالمدينة، مغلقين طرق الإمداد وقاطعين خطوط الفرار أمام عناصر
التنظيم، حتى سيطروا على المدينة وجاء الإعلان الرسمي عن تحرير الموصل في
تموز/يوليو 2017 ليمثّل أعظم انتصار عسكري شهده العراق منذ عقود.
لكنّ الانتصار على "داعــــش" لم
يُسدل الستار على ملف الحــشـــد ودوره الوطني، بل فتح فصلاً جديداً أكثر تعقيداً
بكثير؛ إذ انتقلت المعارك من مواجهة عدو يرتدي قناعاً واضحاً إلى مواجهة طبيعة
وجوده في مرحلة ما بعد التحرير والنصر، وكيفيّة دمجه مع المنظومة الأمنية الرسمية
من دون أن يُفقد فاعليّته أو يُذيب هويته في بيروقراطية قد لا تكون مُهيّأة
لاستيعابه. فعلى الرغم من أنّ القانون رقم 41 لعام 2016 الذي منح الــحشــد شرعيّة
قانونية ووضعاً دستورياً جعله جزءاً من منظومة القوات المسلحة العراقية، إلّا أنه
لم يكن تحوّلاً مؤسساتياً متكامل الأركان بسبب الضغط الدولي والتذبذب في المواقف
السياسية تجاه هذه الاستحقاقات الوطنية لأبناء العراق الغيارى. بعدها أصدر مجلس
الوزراء العراقي مرسوماً يمنح شهداء الــحشــد امتيازات ومخصصات مماثلة لشهداء
القوات المسلحة الرسمية، فيما ذهبت وزارة حقوق الإنسان إلى تأكيد انتمائهم الكامل
للمنظومة العسكرية الوطنية، في اعتراف رسمي متأخّر، لكنه ضروري تجاه من حملوا
السلاح دفاعاً عنها.
أما على الصعيد الإنساني الذي كثيراً ما يغيب
عن السرديات الإعلامية، فقدّم الــحشــد الــشعبــي وجهاً آخر يستحقّ التأمّل
والتوثيق وبخاصة في مناطق التحرير، إذ أسهمت وحداته وجهده الهندسي في إعادة
الخدمات الأساسية وفتح الطرق وحراسة العائدين من النازحين، وفتح المدارس بعد
تأهيلها وأقامة مخيمات إيواء وتوافر الإسعافات الأولية في مناطق كانت بعيدة عن
متناول الأجهزة الحكومية المنهكة. كذلك أدّت أدواراً في إعادة البنى التحتية
ومساعدة المتضرّرين من السيول والفيضانات في محافظات (ديالى، صلاح الدين، نينوى،
البصرة، واسط)، فضلاً عن أنه كان وما زال قطب الرحى في تأمين الزيارة الأربعينية
إلى كربلاء المقدّسة التي يُشارك فيها أكثر من 20 مليون زائر من داخل العراق
وخارجه، وهي صور قد لا تُصنع منها الأفلام الحماسية لكنها تُحدّد الفارق بين القوة
المسلحة التي تحمي مجتمعها وتلك التي تفترس محيطها. هذا البعد الإنساني يشكّل
رصيداً معنوياً ثميناً ينبغي للــحشـــد صونه وتنميته بدلاً من تركه مطموراً تحت
ضجيج السياسة وتجاذباتها.
اليوم نجد الــحشــد الشعــبــي في قلب معادلة
إقليمية بالغة الحساسية. الحرب التي تشهدها المنطقة والضربات التي طالت إيران
وارتداداتها على المشهد العراقي التي جعلت من الـحشـد أكثر من مجرّد تشكيل مسلّح؛
إذ بات بمثابة متغيّر استراتيجي في معادلات الأمن الإقليمي، وبخاصة أنّ العراق
يسعى إلى موقع الدولة المحورية بين إيران والغرب، ويجد نفسه في حاجة ماسّة إلى أن
يكون الــحشــد ورقته الضاغطة في مفاوضات السيادة لا مصدر قلق يُضعف موقفه
التفاوضي. وهذا ما يفرض على الحكومة العراقية والقيادات السياسية إدراكاً حقيقياً
بأنّ تعزيز قوة الـحشـد وتنظيمه ودمجه الكامل في منظومة الدولة ليس خياراً بل
ضرورة أمنية وسياسية قصوى.
في هذا الإطار بالتحديد تأتي أهمية الانسحاب
الأميركي المتفق عليه بين بغداد وواشنطن، الذي يُتيح لمئات الجنود الأجانب مغادرة
العراق بحلول أيلول/سبتمبر 2026، وهذا الانسحاب ينبغي أن يُنهي حقبة ما يُسمّى
بالتحالف الدولي في العراق، ويضع الـحشــد الــشعبـي أمام استحقاق تاريخي بالغ
الأثر؛ فملء الفراغ الأمني يستلزم حـشـداً قوياً ومنضبطاً ومتكاملاً مع الجيش
والأجهزة الأمنية، لذا يمكن القول بثقة إنّ وجود الـحـشـد الـشعـبي بقوته وتماسكه
وانضباطه يُمثّل الضمانة الحقيقية الوحيدة لإنهاء ملف السلاح خارج إطار الدولة؛
ذلك أنّ القوة المنظّمة تستطيع أن تحتوي القوة الفوضوية وتُدجّنها، بينما الضعف لا
يجلب سوى مزيد من الانفلات.
غير أنّ هذا الدور الاستراتيجي المنشود لن
يتحقّق ما دام الـحشــد ورقة تتقاذفها الكتل السياسية في سوق المحاصصة وصفقات
التشكيل الحكومي. إذ إنّ أشدّ ما يُهدّد مستقبل الـحـشـد ليس العدو الخارجي الذي
خاضت بنادقه حروب تحرير ملحميّة معه، بل هو الاستثمار الداخلي لهذه القوة التي
يُراد لها أن تكون أداة نفوذ في معارك السلطة.
إنّ الـحشـد الـشعـبي مؤسسة وطنية أُسّست بدم
عراقي وجرح عراقي وكرامة عراقية، ولا يجوز أن تُصادر هذه الهوية الجامعة لصالح
حسابات فئوية ضيّقة أو مصالح إقليمية عابرة، وإنّ القيادات التي تقود هذه المؤسسة
مسؤولة أمام الله ودماء الشهداء والتاريخ قبل أن تكون مسؤولة أمام الرأي العامّ،
عن صون استقلالية القرار الأمني وحمايته من الابتزاز السياسي الذي يُفرّغه من
معناه الوطني.
أما ملف فكّ ارتباط الفصائل عن الحــشـد، فقد
بات من أكثر الملفات حساسية، إذ إنّ الحديث عن الانتماء الكامل لسلطة الدولة
وتوحيد القيادة والسيطرة العملياتية لا يمكن أن يظلّ في دائرة التصريحات الإعلامية
وخطب المناسبات؛ فهو استحقاق مؤسساتي حقيقي يتطلّب جرأة سياسية وإرادة حكومية
صارمة وعقداً واضحاً بين الفصائل وبين الدولة.
يستحقّ مقاتلو الـحشـد ومنتسبوه الذين قضوا
سنوات في الخنادق والمتاريس أن تنتهي الحكومة والبرلمان من ملف تسكينهم الوظيفي
إنهاءً حقيقياً لا وعوداً متجدّدة. فإقرار القوانين التي تضمّن حقوقهم الوظيفية
والتقاعدية والصحية واجب وطني وليس منّة يُكرمهم بها المشرّع. من قاتل
"داعـــش" ومنع سقوط الدولة لا يستحقّ أن يجد نفسه في نهاية المطاف
يُقاتل بيروقراطية الوزارات ليطلب حقاً أصيلاً. فإن كانت الكتل السياسية التي
تتشدّق بأنّ الـحشـد جزء من منظومة الدولة، فلتثبت ذلك بالتشريع والتطبيق لا
بالبلاغة الخطابية في الذكريات الموسمية.
الذكرى يقف العراق عند مفترق استثنائي خطر، من
جانب يمهّد الأرضية المناسبة للانسحاب الأجنبي المرتقبفي هذه ، ومن جانب آخر يصدّ
شرر تداعيات الصراع الإقليمي وتراكم الملفات الأمنية غير المحسومة في المناطق
الحدودية والمحافظات الشمالية، كلّ ذلك يُلقي بثقله على قرارات ارتجالية تتعلّق
بالـحشـد ودوره ومستقبله.
فالعراق الذي تجاوز محنة "داعــش"
ونجح في استعادة أراضيه يمتلك من الرصيد والتجربة ما يُهيّئه لبناء منظومة أمنية
متكاملة، لكنّ هذا البناء لن يكتمل إذا ظلّت إرادة الدولة الحقيقية مغيّبة عن
معادلة الـحشـد وملفاته الهامّة، إذ إنّ الرهان الحقيقي اليوم ليس بأن يستمر
الـحشـد أو يُهيّكل، بل بأن يُتوّج ويتحوّل إلى الصورة التي يستحقّها دمه المسفوك
وتضحياته المسجّلة كمؤسسة وطنية بقيادة موحّدة وانتماء صافٍ لسلطة الدولة وقوانين
واضحة تصون حقوق منتسبيها وتُرسّخ دورها في المعادلة الأمنية؛ هذه هي الصورة التي
ينتظرها العراقيون بعد اثني عشر عاماً من الدم والتضحية والأمل.
وفي حضرة أبناء المهندس يرفض المقال استخلاصاً،
لذا أقول أولاً: مبارك لك يا حـشـد الله ذكرى ميلادك التي نقشت في وجدان الأمة ما
لا تمحوه الأزمنة، وأُتبع الثانية بحرقة المكلوم القائل: إنّ الوفاء الحقيقي لتلك
التضحيات لا يكون بالاحتفاء السنوي والخطابات العاطفية؛ إنما يكون بإتمام
مُستحقّات أولئك المتطوّعين الأوائل، حين نزلوا إلى الشارع ولا يملكون سوى إرادة الحياة
ورفض الهزيمة في معركة العزة والإباء الكربلائي، ببناء دولة مقتدرة تحتضن سلاحها
وتُدير أمنها وتصون كرامة من قاتلوا باسمها.
محمد الخزاعي

