أخر الاخبار

الصين تفتتح العصر الذهبي للفضاء التجاري

 


في 10 تموز/يوليو 2026، دخلت الصين رسمياً عصر الصواريخ القابلة لإعادة الاستخدام، بعدما نجح الصاروخ "لونغ مارش-10 بي" في أول رحلة إطلاق له من ميناء هاينان التجاري، محققاً أيضاً أول استعادة بحرية للمرحلة الأولى. ولم يكن ذلك مجرد نجاح تقني، بل نقطة تحول مفصلية تعني أن قطاع الفضاء التجاري الصيني حقق اختراقاً تاريخياً في مجال خفض كلفة الإطلاق ورفع وتيرته.

وسجلت هذه المهمة ثلاثة إنجازات غير مسبوقة دفعة واحدة: أول استعادة موجّهة للمرحلة الأولى لصاروخ حامل في الصين، وأول عملية استعادة في العالم تعتمد على نظام شبكي بحري، إلى جانب تحوّل "لونغ مارش-10 بي" إلى أول صاروخ صيني قابل لإعادة الاستخدام ينجح فعلياً في تنفيذ عملية استعادة.

الاستعادة تغيّر معادلة الكلفة

لطالما ارتبطت صناعة الفضاء بتكاليف هائلة، وكانت المعضلة الأساسية تكمن في استحالة إعادة استخدام الصاروخ. فالمرحلة الأولى وحدها تمثّل، وفق تقديرات متداولة، نحو 70% من كلفة الصاروخ بالكامل.

وبعد وضع القمر الصناعي في مداره، كان مصير هذه المرحلة السقوط والتدمير، لتصبح كل عملية إطلاق بمثابة استهلاك كامل لصاروخ لا يُستخدم إلا مرة واحدة. ولهذا، تُعدّ تقنية استعادة الصواريخ المفتاح الحقيقي لإعادة الاستخدام. فبمجرد نجاحها، تبدأ معادلة الكلفة بالتغير جذرياً.

وتشير تقديرات إلى أنه، حتى مع احتساب تكاليف الصيانة والإصلاح، فإن إعادة استخدام الصاروخ أقل من خمس مرات تكفي لإظهار أفضلية اقتصادية واضحة، بينما يمكن أن تنخفض كلفة الإطلاق الواحد بنحو 80% إذا تجاوز عدد مرات الاستخدام عشر رحلات.

قبل أكثر من عقد، نجحت شركة "سبيس إكس" الأميركية في استعادة المرحلة الأولى من صاروخ "فالكون 9"، لتبدأ بعدها مرحلة جديدة من المنافسة العالمية في قطاع الفضاء.

وتشغّل منظومة "ستارلينك" التابعة للشركة اليوم نحو 9600 قمر للاتصالات والإنترنت في المدار المنخفض. وخلال السنوات الأخيرة، لم تتوقف الصين عن تقليص الفجوة. فمنذ العام الماضي، أجرت صواريخ "تشو تشويه-3" و"لونغ مارش-12 أيه" سلسلة من اختبارات التحقق من تقنيات الاستعادة.

وعلى الرغم من نجاحها في إيصال الأقمار الصناعية إلى مداراتها، فإن عملية الاستعادة العمودية للمرحلة الأولى لم تحقق النتائج المرجوة. أما اليوم، وبعد أقل من عامين، فقد نجحت الصين أخيراً في تجاوز هذه العقبة، لتقدم مرة أخرى نموذجاً لما يُعرف بـ"السرعة الصينية"، وتعكس، في الوقت نفسه، الإصرار والقدرة الصينيين على الابتكار.

تقنية صينية مختلفة

لكن أهمية هذا الإنجاز لا تكمن في نجاح الاستعادة فحسب، بل في الطريقة التي اختارتها الصين لتحقيقها. فبدلاً من الاعتماد على نظام أرجل الهبوط الذي تستخدمه "سبيس إكس"، ابتكرت الصين تقنية جديدة تعتمد على "خطافات مثبّتة على الصاروخ وشبكات مرنة على منصة بحرية" لالتقاطه أثناء الهبوط.

فبعد انفصال المرحلتين الأولى والثانية للصاروخ، عادت المرحلة الأولى، والتُقطت بنجاح على منصة بحرية عبر نظام التقاط شبكي. ويتميز هذا الحل بخفض الوزن الذاتي للصاروخ، وزيادة كفاءة الحمولة، وتوسيع هامش التقاط الصاروخ، حتى مع وجود انحرافات في نقطة الهبوط، بينما توفر المنصة البحرية قدرة أفضل على امتصاص الصدمات.

وبهذا الإنجاز، أصبح "لونغ مارش-10 بي" أول صاروخ صيني قابل لإعادة الاستخدام ينجح في تنفيذ عملية الاستعادة، في توقيت يحمل دلالات استراتيجية واضحة.

حاجة متزايدة إلى عمليات الإطلاق

تشهد الصين اليوم مرحلة الإطلاق المكثف لعدد من الكوكبات العملاقة للإنترنت عبر الأقمار الصناعية، إذ تتقارب نوافذ الإطلاق وتتزايد وتيرتها بصورة غير مسبوقة، وهو ما يجعل الصواريخ التقليدية أحادية الاستخدام عاجزة عن مواكبة هذا الطلب المتسارع.

ومن هنا، ظهرت معضلة جديدة يمكن تلخيصها بعبارة واحدة: "الأقمار الصناعية تنتظر الصواريخ للإطلاق". وجاء نجاح "لونغ مارش-10 بي" ليسد هذا الفراغ، بعدما وفر للصين، للمرة الأولى، تقنية صاروخ كبير قابل لإعادة الاستخدام، يجمع بين انخفاض الكلفة وارتفاع القدرة الاستيعابية، فاتحاً الطريق أمام نموذج جديد للفضاء التجاري المنخفض الكلفة.

مشهد الفضاء التجاري في الصين

يتشكل قطاع الفضاء التجاري الصيني اليوم وفق نموذج فريد يجمع بين قيادة الشركات الحكومية وحيوية القطاع الخاص، في وقت تدخل فيه شركات عديدة مرحلة حاسمة، تجمع بين تسريع الابتكار وتحويل الإنجازات التقنية إلى مكاسب اقتصادية. فعلى مستوى الشركات الحكومية، نجحت سلسلة صواريخ "لونغ مارش" في تحقيق أول اختراق صيني في تقنية الاستعادة البحرية بالشبكات، واضعةً أسس مسار جديد للإطلاق المنخفض الكلفة.

أما القطاع الخاص، فيشهد منافسة متسارعة بين عدد من الشركات. فشركة "لاند سبيس" تعمل على تطوير صاروخ "تشو تشويه-3"، العامل بوقود الميثان والأكسجين السائل، وتسعى إلى تحقيق أول دورة صينية متكاملة تشمل الاستعادة ثم إعادة الإطلاق.

وفي المقابل، اختارت شركة "آي سبيس" المضي في مسار الاستعادة البحرية، إذ تخطط لإطلاق صاروخ "هايبر بولا-3" للمرة الأولى قبل نهاية عام 2026، مع تنفيذ أول عملية استعادة بحرية بالتزامن مع الرحلة الأولى.

كما أحرزت شركات "سبيس بايونير" و"كاس سبيس" و"غالاكسي باور" تقدماً ملحوظاً في تقنيات الصواريخ العاملة بالكيروسين والأكسجين السائل، وأنظمة الاستعادة العنقودية، ومسارات التطوير المتوازية للصواريخ الصلبة والسائلة.

وللعام الثالث على التوالي، يحضر الفضاء التجاري في تقرير عمل الحكومة الصينية، لكن اللافت أن توصيفه الرسمي ارتقى تدريجياً من "محرك جديد للنمو" إلى "صناعة ناشئة"، ثم إلى "صناعة محورية ناشئة"، في إشارة واضحة إلى تصاعد مكانته ضمن الاستراتيجية الصناعية الوطنية.

ومع استمرار الدعم السياسي وتسارع مشاريع الإطلاق الفضائي العملاقة، يشهد سوق الفضاء التجاري الصيني نمواً غير مسبوق. وتشير بعض التقديرات إلى أن حجمه سيبلغ نحو 3.5 تريليونات يوان صيني عام 2026، مع تجاوز عدد الشركات العاملة فيه 600 شركة.

أما عام 2025، فقد بلغ عدد عمليات الإطلاق التجارية 50 عملية، بما مثّل 54% من إجمالي عمليات الإطلاق الفضائي في الصين. كل المؤشرات تدل على أن أكبر سوق ناشئة للفضاء التجاري في العالم تقف اليوم على أعتاب مرحلة منافسة جديدة. وما تحقق مع "لونغ مارش-10 بي" قد لا يكون سوى البداية، أما المنافسة الحقيقية، فقد بدأت الآن.

 

                                                                    وانغ مو يي

 

تعليقات



حجم الخط
+
16
-
تباعد السطور
+
2
-