بقلم الكاتب مهند الهلالي
لم يأتِ الدين ليضيف إلى حياة الإنسان مجموعةً من الالتزامات الذاتية المرتبطة بعلاقة الانسان بربه جل وعلا فقط ، إنما جاء ليبني الإنسان من الداخل، ويهذب ضميره، ويقيم سلوكه على أساس الحق والعدل والرحمة. فالعبادات في جوهرها ليست غايةً بذاتها، وإنما وسائل لصناعة إنسان يحمل القيم في كل تفاصيل حياته.
قد يصلي الإنسان، ويصوم، ويحج، ويكثر من الذكر، لكنه في الوقت نفسه يظلم الناس، أو يخون الأمانة، أو يكذب، أو يتكبر على الآخرين. عندها تتحول العبادات إلى ممارسات شكلية فقدت روحها، لأن القيمة التي من أجلها شرعت العبادة لم تتحقق. فالصلاة التي لا تنهى عن الفحشاء والمنكر، والصيام الذي لا يربي على الصبر والتقوى، والصدقة التي لا تنبع من الرحمة، كلها عبادات فقدت أثرها في بناء الإنسان.
إن القيم هي التي تمنح العبادات معناها. فالصدق، والعدل، والأمانة، والرحمة، والإحسان، واحترام كرامة الإنسان، ليست أمورًا ثانوية في الدين، بل هي أساس رسالته. ومن هنا كان الأنبياء يواجهون المجتمعات التي حافظت على مظاهر التدين لكنها أضاعت جوهر الأخلاق، فكانوا يدعون إلى إصلاح الإنسان قبل الاكتفاء بإصلاح المظاهر.
ولذلك فإن أخطر ما يصيب المجتمعات ليس ترك العبادات فحسب، بل ممارسة العبادات مع غياب المبادئ. فحين يصبح الدين مظهرًا اجتماعيًا لا مشروعًا أخلاقيًا، تنتشر الازدواجية، ويصبح الإنسان متدينًا في المسجد أو الحسينية أو الكنيسة، لكنه ينسى دينه في السوق، وفي الوظيفة، وفي القضاء، وفي السياسة، وفي التعامل مع الناس.
لقد أراد الدين أن تتحول العبادة إلى سلوك، وأن تتحول العقيدة إلى مسؤولية، وأن تصبح القيم حاضرة في كل قرار يتخذه الإنسان. فالإيمان الحقيقي ليس ما يُقال باللسان فقط، ولا ما يُؤدى بالجسد وحده، بل ما يظهر أثره في معاملة الناس، وفي نصرة المظلوم، وحفظ الحقوق، والوفاء بالعهد، وإغاثة المحتاج.
إن المجتمع الذي تسوده القيم قد يختلف أفراده في اجتهاداتهم وطقوسهم، لكنه يبقى مجتمعًا متماسكًا، لأن العدل والرحمة والصدق تجمع بينهم. أما المجتمع الذي يكثر فيه التدين الشكلي وتغيب عنه الأخلاق، فإنه يفقد جوهر الرسالة مهما كثرت فيه المظاهر الدينية.
ولهذا فإن القيم ليست بديلًا عن العبادة، كما أن العبادة ليست بديلًا عن القيم؛ بل إن كل واحدة منهما تكمل الأخرى. فالعبادة تغذي القيم، والقيم تصدق العبادة. وإذا انفصلت العبادات عن المبدأ، أصبحت مجرد عادة، وإذا ارتبطت بالعقيدة والأخلاق، تحولت إلى قوة تصنع الإنسان وتنهض بالمجتمع.
إن الدين في حقيقته مشروع لبناء الإنسان قبل بناء المظاهر، وإقامة الضمير قبل إقامة الشعائر. فحيثما حضرت القيم حضر الدين بروحه، وحيث غابت القيم، لم تبقَ من العبادات إلا صورها وأشكالها.
