أخر الاخبار

لنتمسك بالغاية دون إهمال الوسيلة

 




الكاتب: مهند الهلالي


كَرَّمَ اللهُ جَلَّ وَعَلَا الإنسانَ، وجعلَه سيِّدًا على كثيرٍ من خَلْقِه، لا لِتَكْوينِهِ المادِّي، بل لِمَا أَوْدَعَ فيه من نعمةِ العقلِ والحكمةِ والاختيار، وهي خصائصُ ميَّزَه اللهُ بها. فكان آدمُ عليه السلام مُخَيَّرًا في طاعتِه لله تعالى، بينما كانت سائرُ المخلوقاتِ مُسخَّرةً لأداءِ ما خُلِقَتْ له.


إنَّ دينَ اللهِ الواحدَ، الإسلامَ، على اختلافِ تشريعاتِه الزمانية، ومع تعاقبِ أنبيائِه المُنتَجَبينَ عليهم السلام أجمعين، كان يدعو دائمًا إلى أمرٍ عظيم، هو سموُّ الأخلاقِ الإنسانيةِ والتكاملُ الإنساني، وصولًا إلى المجتمعِ المثاليِّ الذي يعمرُ الإنسانُ فيه أرضَ الله بعد أن أفسدها مَن سبقه. وهنا يكمن السر، ويظهر مفتاحُ الصلاحِ في الدنيا والآخرة.


ولهذا لم تكن العباداتُ هي الغاية، بل كانت الوسيلةَ الساميةَ للوصول إلى مشيئةِ الله تعالى. فالصلاةُ، مثلًا، ليست هدفًا قائمًا بذاته، بل وسيلةٌ لتربيةِ القلب، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ﴾. ولم يكن الصيامُ غايةً في ذاته، بل طريقًا إلى التقوى: ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾. ولم تكن الزكاةُ مجردَ انتقالٍ للمال، وإنما تطهيرًا للنفس قبل أن تكون تطهيرًا للمال. ولم يكن الحجُّ رحلةً إلى مكان، بل رحلةً يعود منها الإنسانُ أكثرَ صفاءً، وأسمى خُلُقًا، وأصدقَ عهدًا مع الله والناس.


إنَّ الوسائلَ لا تُقاسُ بعظمتها المجرَّدة، وإنما بقدرتها على إيصالِ الإنسانِ إلى الغايةِ التي شُرِعَتْ من أجلها. فالجسرُ، مهما كان متينًا وجميلًا، ليس هو المقصود، وإنما المقصودُ الوصولُ إلى الضفةِ الأخرى. ومَن يقف على الجسرِ مفتونًا بجماله، فقد أخطأ فهمَ وظيفته.


ولهذا قد يؤدِّي الإنسانُ عباداتِه كلَّها، ثم يخرج منها كما دخل إليها؛ يظلم، ويغش، ويكذب، ويؤذي، ويحتقر الآخرين. عندها لا تكون المشكلةُ في الصلاة، ولا في الصيام، ولا في الحج، بل في أنَّ الوسيلةَ لم تُحقِّق أثرَها، أو أنَّ صاحبها اكتفى بأداءِ الصورة، وغفل عن صناعةِ الجوهر.


إنَّ اللهَ تعالى لا يريدُ من الإنسانِ أن يكون كثيرَ الحركاتِ التعبديةِ فحسب، وإنما يريدُ أن يكون كثيرَ الخير. يريدُ قلبًا يعرفُ الرحمة، وعقلًا يعرفُ الحكمة، ولسانًا يعرفُ الصدق، ويدًا تمتدُّ إلى المحتاج، ونفسًا ترتفعُ على الهوى والأنانية. فإذا أثمرتِ العبادةُ هذه المعاني، فقد أدَّت رسالتَها. وإذا لم تُثمرها، فإنَّ الإنسانَ مُطالَبٌ بأن يراجعَ نفسَه، لا أن يراجعَ الدين.


إنَّ الدينَ، في جوهره، مشروعٌ لبناءِ الإنسان، لا مجردُ برنامجٍ لأداءِ الشعائر. والشعائرُ هي الورشةُ التي يُصنعُ فيها هذا الإنسان، وليستِ المنتجَ النهائي. فإذا خرج الإنسانُ من ورشةِ العبادةِ كما دخل إليها، فقد حضر العمل، لكنه لم يتغير.


وهنا تتجلَّى الحكمةُ الإلهية؛ فالغايةُ ليست أن يكثرَ الساجدون، وإنما أن يكثرَ الصالحون. ولم يكن المطلوبُ أن تمتلئَ الأرضُ بالمصلين فقط، بل أن تمتلئَ بالعدل، والرحمة، والصدق، والإحسان. وعندما تتحققُ هذه الغاية، تكونُ العباداتُ قد بلغت مقصدَها، وأثمرتِ الثمرةَ التي أرادها اللهُ منها منذ البداية.


إنَّ ما تقدَّم توضيحُه ليس الهدفُ منه، والعياذُ بالله، التقليلَ من قدسيةِ وأهميةِ ما أمرنا اللهُ تعالى به من عبادةٍ وتقرُّب؛ فلا يمكنُ للصلاحِ أن يأتي دون تطهيرٍ للنفس، ولا يمكنُ للنفسِ أن تتطهَّر إلا بالعبادة. ولكنَّ غايةَ اللهِ تعالى هي الأقدسُ والأسْمَى، وقد يتناساها بعضُ الناس أو يغفلون عنها. ومن هنا جاءت هذه الكلماتُ تذكيرًا بما هو معلوم، وممَّا ذكره الصالحون وعبادُ الله المؤمنون.


واللهُ من وراءِ القصد


تعليقات



حجم الخط
+
16
-
تباعد السطور
+
2
-