أخر الاخبار

ماذا بعد كل هذه الجولات من العنف؟

 


مما لا شك فيه أن الكثير من عامة الناس يتخبطون في غياهب هذا المخاض الفظيع على امتداد المنطقة برمتها، من المشرق العربي حتى الخليج العربي، وبينهما الجزيرة العربية، وليس البلد فقط، وهم يدركون أن الرؤية ضبابية، والأفق مسدود، والحال صعبة، كما أن المستقبل غير مضمون! وكثيرون يسألون: أين نحن؟ وماذا بعد؟

في الواقع والحقيقة، ثمة اتجاهان للتحليل لدى مقاربة المدى الزمني المتوقع أو المحتمل للحرب في المنطقة بين أميركا و"إسرائيل" من جهة، وإيران من جهة أخرى، ومحاولة الإحاطة به:

الاتجاه الأول مفاده ومؤداه انتهاء الحرب في منطقة "الشرق الأوسط" قريبًا، لا بعيدًا، مع اقتراب موعد الانتخابات الإسرائيلية والأميركية في تشرين الأول/أكتوبر وتشرين الثاني/نوفمبر 2026 تباعًا؛ وقد يدفع بهذا الاتجاه، أو يزيد من هذا الاعتقاد، تسرب أو تسريب معلومات وتقديرات وتخمينات وتوقعات عن نقص حاد، وغير مسبوق تاريخيًا، في المخزونات والاحتياطات من الأسلحة والذخائر لدى كل من الأميركيين والإسرائيليين؛ وهو الأمر الذي يعزز فكرة ضرورة إنهاء حالة الحرب لهذه الأسباب الملحة وسواها.

الاتجاه الثاني مفاده ومؤداه استمرار هذه الحرب في منطقة الشرق الأوسط طويلًا، أو لنقل لفترة زمنية أطول، وربما حتى انتهاء الولاية الرئاسية للرئيس الأميركي الحالي دونالد ترامب، على رأس الإدارة الأميركية، ما بين كانون الأول/ديسمبر 2028 وكانون الثاني/يناير 2029، حيث يبدو أن مسار الحل السياسي متعثر، وبالتالي فإن خيار الحل السياسي متعذر، وحتى إشعار آخر، بالنظر إلى التصلب والتعنت بالخطاب والموقف من الجانب الأميركي، في مقابل الثبات والتشدد بالخطاب والموقف من الجانب الإيراني، بحيث تستمر دوامة العنف وجولاته ما بين الأخذ والرد والمد والجزر على المديين القريب والمتوسط.

وإذا كان قرار الحرب والسلم بيد واشنطن وتل أبيب دون سواهما، وكذلك أيضًا تحديد مدى الحرب الزمني، فإن نطاقها الجغرافي ليس كذلك، ولا حتى مخرجاتها. فإيران، في المقابل، تقوم بصد العدوان والتصدي للهجوم عليها.

وعليه، ثمة احتمالان أيضًا، بالتقدير، لدى الإضاءة على رد الفعل الإيراني، المسجل أو المرصود (قيد الرصد)، ومحاولة فهم كيفية تشكل الموقف الإيراني، وكيفية تبلور الرؤية والخطة الإيرانيتين، لتحديد كيفية التعامل والتعاطي، في ضوء مجريات الحرب الأميركية - الإسرائيلية، مع الإشارة إلى غياب أو عدم وجود استراتيجية للخروج:

الاحتمال الأول مفاده ومؤداه أن تستطيع إيران تصفية وجود أميركا العسكري الإقليمي في منطقة الشرق الأوسط في الحد الأقصى، وبالتالي خروج أميركا، أو لنقل إخراج إيران لأميركا من الإقليم، ولا سيما من منطقة الخليج، على أهمية وخطورة وصعوبة هذا الاحتمال، الذي لا يبدو سهل المنال، ولا حتى قريب المنال، لأسباب ذاتية وموضوعية، هي تتصل بكل من أميركا وإيران، وإن كان مثل هذا المسار الاحتمالي أو الافتراضي قد يؤدي إلى إحداث تغيير ما، هو استراتيجي، ربما يصل إلى حد التفكير في مستقبل ومصير الكيان الإسرائيلي، وإشكالية بقائه في هذا الوجود وعلى قيد الحياة، بطريقة تبدو طوباوية وسوريالية.

الاحتمال الثاني مفاده ومؤداه أن تستطيع إيران تقويض حضور أميركا السياسي الإقليمي في منطقة الشرق الأوسط في الحد الأدنى، وبالتالي تراجع دور أميركا، كما انحسار نفوذها في الإقليم، لا سيما في منطقة الخليج، وربما أيضًا في أجزاء من المشرق؛ وهو الأمر الذي سوف يفتح الباب وسوف يفسح المجال للبحث بكيفية ملء ذلك الفراغ الذي ستخلفه إعادة تموضع أو إعادة انتشار الولايات المتحدة الأميركية عسكريًا وسياسيًا في الإقليم؛ ما يعني أن التغيير السياسي في المنطقة واقع لا محالة، بغض النظر عما إذا كان في الخرائط والكيانات والحدود السياسية، أو كان في المواقع والوضعيات والأدوار الإقليمية.

كذلك، ثمة منطقان قد يعبر عنهما الخبراء والمراقبون والمحللون، فيدورون في فلك أحدهما:

المنطق الأول يحيلنا، بطريقة أو بأخرى، إلى فرضية استحالة التقاء أميركا و"إسرائيل" وإيران، أو بالأحرى أميركا وإيران، مع استبعاد إسرائيل بالتأكيد، وبالتالي افتراض استمرار حالة الحرب بينهما، وكأننا أمام خطين متوازيين لا يلتقيان، ولا يمكن أن يلتقيا، بغير الهزيمة الكاملة مقابل الانتصار الكامل؛ إلا أن الواقعية السياسية تفترض وجود شيء من قبيل المصالح المشتركة أو المصالح المتبادلة بين الأميركي والإيراني، بعيدًا من الإسرائيلي بطبيعة الحال، بينما يفترض هذا المنطق استمرار حالة الصراع والمواجهة بين واشنطن وطهران إلى ما لا نهاية.

المنطق الثاني يحيلنا، في نهاية المطاف، إلى فكرة التسوية السياسية بين أميركا و"إسرائيل" من جهة، وإيران من جهة أخرى، وذلك بحسب موازين القوى وأحجامها وأوزانها، وعلى قاعدة لا غالب ولا مغلوب؛ ذلك أن منطق الإلغاء السياسي قد يبدو من المستحيل، بالنظر إلى أن إمكان الحسم العسكري هو أيضًا يكاد يكون من المستحيل؛ فلا أميركا قادرة على فرض الاستسلام على إيران، ولا حتى سحقها، ولا القضاء عليها، ولا إيران قادرة على هزيمة أميركا، بمعنى الهزيمة العسكرية، لا السياسية.

هكذا هي هذه اللحظة التاريخية، وهكذا تكون مثل هذه المراحل المفصلية والمصيرية في تاريخ العلاقات الدولية، وفي حياة النظام الإقليمي، بل كل النظام العالمي، فنحن لا نزال في خانة الحسابات المفتوحة على كل من الاحتمالات. وقد تستمر هذه الفوضى العارمة، أو ربما تتفاقم وتتصاعد، إلى حين تشكل الأدوار والمعادلات والتوازنات والترتيبات الجديدة في الإقليم والعالم، واستقرارها أيضًا.

 

                                                                    غسان ملحم

 

تعليقات



حجم الخط
+
16
-
تباعد السطور
+
2
-