أخر الاخبار

استقالة دريسكول: هل تعيد حرب إيران تشكيل الاقتصاد العسكري الأميركي؟

 


قد تكون استقالة دان دريسكول واحدة من أولى العلامات السياسية على أن الولايات المتحدة دخلت مرحلة يصبح فيها الصراع على كيفية إنتاج الحرب جزءًا من الصراع على كيفية خوضها.

في كتابه الشهير "رأس المال"، يقول كارل ماركس عبارة مهمة للغاية: "إن احتكار رأس المال يصبح قيدًا على نمط الإنتاج الذي نشأ وازدهر معه وتحته. ويبلغ تمركز وسائل الإنتاج وتأميم العمل درجةً يصبحان معها غير متوافقين مع غلافهما الرأسمالي. فينفجر هذا الغلاف. ويقرع ناقوس الملكية الخاصة الرأسمالية. ويجري انتزاع ملكية منتزعي الملكية".

بناء على هذه العبارة، يمكن النظر إلى استقالة وزير الجيش الأميركي دان دريسكول. وبالتأكيد سيكون من السذاجة اعتبارها مجرد تغيير في أحد المناصب العليا داخل الإدارة الأميركية، أو اختزالها في إطار الخلاف شخصي مع وزير الدفاع بيت هيغسيث. وذلك بالنظر لتوقيت الاستقالة التي جاءت في لحظة شديدة الحساسية تخوض فيها أميركا حربًا مفتوحة مع إيران، بينما يعيش الجيش الأميركي في الوقت نفسه عملية إعادة نظر واسعة في بنيته وتسليحه وطريقة إنفاقه.

إن أهمية دريسكول ترتبط بالمشروع الذي كان يمثله داخل الجيش الأميركي. فقد كان الرجل من أبرز الداعين إلى تغيير طريقة بناء القوة العسكرية الأميركية، والانتقال من الاعتماد المفرط على المنظومات المعقدة والباهظة التي تحتاج لدورة إنتاج طويلة إلى نموذج أكثر سرعة ومرونة يعتمد على المسيّرات والأنظمة غير المأهولة والذكاء الاصطناعي والتصنيع المتقدم والتجربة الميدانية السريعة. وقد ارتبط اسمه بمبادرة تحول واسعة للجيش هدفت إلى تغيير طريقة التسليح والشراء والتدريب والتنظيم، مستفيدة بصورة واضحة من دروس الحرب في أوكرانيا. وهي خطة تحول تبلغ قيمتها نحو 36 مليار دولار، وبدورها أصبحت الآن موضع شك بعد استقالة أبرز داعميها.

هنا تبدأ القصة الحقيقية؛ لأن التحول الذي كان يدفع إليه دريسكول ليس مجرد تحول في العقيدة العسكرية، بل يمكن أن يصبح تحولًا في الاقتصاد السياسي للصناعة العسكرية الأميركية. فالمسيّرة الرخيصة، على سبيل المثال تمثل نمطًا مختلفًا تمامًا من الإنتاج. الطائرة المقاتلة تحتاج إلى سنوات من التطوير وعقود ضخمة وشركة أو مجموعة محدودة من الشركات الكبرى وسلسلة صيانة تمتد لعقود. أما المسيّرة فيمكن تطويرها بسرعة، واختبارها ميدانيًا، وإنتاجها بأعداد كبيرة، ثم استبدال تصميمها خلال فترة قصيرة. وهكذا يتحول السلاح من منصة باهظة تحافظ عليها الدولة سنوات طويلة إلى منتج تكنولوجي سريع الاستهلاك والتحديث.

هذا ما كان دريسكول يدفع باتجاهه. فبدل أن ينتظر الجيش سنوات للحصول على منظومة نهائية من أحد المتعاقدين الكبار، يصبح بالإمكان فتح المجال أمام عشرات الشركات الصغيرة لتقديم نماذجها، واختبارها سريعًا، ثم توسيع إنتاج المنتجات الناجحة. وكان هذا الاتجاه يعني عمليًا إدخال رأس المال المغامر وشركات التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي والبرمجيات إلى قلب عملية التسليح الأميركية.

ومن هنا يظهر ما يمكن تسميته المجمع الصناعي–التقني في مواجهة، أو بالأحرى في صراع مع، المجمع الصناعي–العسكري التقليدي. والمقصود ليس وجود عداء بين الطرفين؛ لكن الصراع، في الواقع، يدور حول السؤال الأهم: أي نموذج للإنتاج العسكري سيحصل على الجزء الأكبر من الإنفاق الأميركي في المستقبل؟

من الضروري الإشارة إلى أن الشركات الناشئة نفسها لا تعمل بعيدًا عن رأس المال التكنولوجي الكبير؛ فهذه الشركات الكبيرة أنشأت حولها شبكة متزايدة من شركات التكنولوجيا ورأس المال المغامر والمؤسسات الاستثمارية التي توفر لها التمويل والخبرة والبنية التحتية اللازمة للوصول إلى السوق العسكري.

شركة Anduril، على سبيل المثال، حصلت على تمويلات ضخمة من مستثمرين في وادي السيليكون، وكان صندوق Founders Fund من أبرز داعميها، ثم تحولت إلى منافس مباشر للشركات الدفاعية التقليدية في برامج كانت تسيطر عليها الشركات الكبرى.

وفي حالة أخرى، انتقلت Palantir من شركة تكنولوجيا ذات جذور في عالم رأس المال المغامر إلى أحد أبرز المتعاقدين التقنيين مع وزارة الدفاع والاستخبارات الأميركية. وفي سبتمبر 2026، حصلت Palantir وAnduril معًا على عقود بقيمة 192 مليون دولار لتطوير ثماني مركبات TITAN تعتمد على الذكاء الاصطناعي لجمع وتحليل بيانات ميدان المعركة، بما في ذلك بيانات الأقمار الصناعية.

يأتي استحواذ إنفيديا على منصة Hugging Face مقابل نحو 12.9 مليار دولار ليقدم مثالًا أكثر دلالة على هذا التحول؛ فهذه الشركة لا تنتج سلاحًا، وإنما تمثل طبقة أساسية في بنية الذكاء الاصطناعي والنماذج مفتوحة المصدر. ولذلك فإن إنفيديا تستحوذ على جزء من البنية التكنولوجية التي ستعتمد عليها الصناعات العسكرية مستقبلًا. وإذا كانت شركات مثل Anduril وPalantir تنقل التكنولوجيا إلى ميدان القتال، فإن إنفيديا تتحرك إلى مستوى أسبق وهو امتلاك البنية التي تنتج التكنولوجيا نفسها.

ثمة دلالة أخرى، حيث دخلت Microsoft بصورة مباشرة في منظومة الدفاع من بوابة الحوسبة السحابية والذكاء الاصطناعي، ثم انتقل برنامج منظومة الرؤية المعززة للجيش الأميركي IVAS إلى Anduril؛ إذ تولت الشركة الناشئة التطوير والإنتاج، بينما بقيت Microsoft مرتبطة بالبرنامج من خلال البنية السحابية. وكانت قيمة البرنامج الأصلية تقارب 21.9 مليار دولار.

تكشف هذه الأمثلة عن حقيقتين: الأولى، أن الصراع على اقتصاد الحرب المقبلة سيدور حول من يملك البنية التحتية الرقمية التي تجعل إنتاج السلاح ممكنًا. والثانية، أن الحدود بين شركة التكنولوجيا وشركة السلاح وشركة الاستثمار بدأت تتداخل بصورة متزايدة. فالشركة الناشئة قد تحصل على رأس المال والخبرة من وادي السيليكون، ثم تحصل على عقد من البنتاغون، ثم تصبح هدفًا للاستحواذ أو الشراكة من إحدى الشركات الكبرى. وفي الاتجاه المعاكس، تستطيع شركات التكنولوجيا العملاقة دخول السوق الدفاعية من بوابة الذكاء الاصطناعي والحوسبة السحابية والبيانات، من دون أن تحتاج إلى امتلاك مصانع الطائرات أو السفن التي كانت تمثل جوهر المجمع الصناعي–العسكري التقليدي.

وهكذا يجري تشكيل شبكة جديدة تتقاطع فيها مصالح رأس المال التكنولوجي مع الدولة العسكرية. وقد تنتهي هذه الشبكة إلى اندماج جزئي مع الشركات التقليدية، لكن من سيدخل إلى منظومة الآخر، وبأي شروط، ومن سيمتلك التكنولوجيا ومن سيحصل على الجزء الأكبر من التراكم؟ وهنا تظهر المشكلة الاقتصادية التي تجعل الصراع أكثر عمقًا مما يبدو. إذا نجح نموذج دريسكول بالفعل، فقد تنخفض تكلفة كثير من الأسلحة بصورة هائلة.

وهذا يعني أن عقدًا واحدًا لطائرة أو منظومة استراتيجية باهظة قد يحل محله عدد ضخم من العقود الصغيرة والمتوسطة. ومن منظور الدولة، قد يكون ذلك أكثر كفاءة عسكريًا، لكنه يعني أيضًا أن بعض الشركات التي بنت أرباحها ونفوذها على العقود العملاقة ستواجه تغييرًا في بنية السوق نفسها.

لكن الانتقال إلى النموذج الجديد ليس مجانيًا، فلكي تنتج الولايات المتحدة الكثير من المسيّرات الرخيصة، تحتاج إلى مصانع ومحركات وبطاريات وأجهزة استشعار ورقائق ومواد متقدمة وشبكات اتصالات وبرمجيات ومراكز بيانات وسلاسل إمداد قادرة على إنتاج هذه المكونات بكميات هائلة، أي أن السلاح الأرخص يحتاج في مرحلة الانتقال إلى استثمار صناعي كبير. وهنا تصطدم فلسفة دريسكول بالواقع الجيوسياسي الذي تعيشه الولايات المتحدة. فواشنطن لا تبدأ هذا التحول في زمن سلم، وإنما في ظل حرب في الخليج الفارسي، والتزامات عسكرية مستمرة في أوروبا، فضلًا عن شبكة انتشار عسكري أميركية عالمية واسعة. ولذلك، تواجه وزارة الدفاع معضلة واضحة: هل تنفق الموارد على استمرار تشغيل الجيش الحالي وتعويض ما يستهلكه في الحرب، أم تستثمر في بناء الجيش الذي تريد أن تقاتل به حروب المستقبل؟

وتزداد المشكلة عندما ندخل مضيق هرمز في المعادلة. فتعطيل الملاحة عبره يضغط على الطاقة والأسمدة والهيليوم والكبريت والألومنيوم وسلاسل الإمداد العالمية. والأهمية هنا أن نقطة الاختناق الجغرافية ترفع تكلفة المواد والطاقة والنقل التي تعتمد عليها المصانع الأميركية، التي تحتاج بدورها للوقود والمعادن والكيماويات والرقائق والغازات الصناعية. ولذلك، فإن ارتفاع تكلفة الطاقة والمواد الخام يرفع تكلفة إعادة بناء القاعدة الصناعية العسكرية.

إن الهيليوم هنا يعد مثالًا واضحًا على هذه المشكلة. فهو ليس مادة عسكرية بالمعنى المباشر، لكنه يدخل في قطاعات التكنولوجيا المتقدمة والصناعة والإلكترونيات، وعندما تتعرض إمداداته القادمة من الخليج للاضطراب تنتقل الأزمة إلى الصناعة ثم إلى التكنولوجيا. وهذه النقطة مهمة لفهم مأزق مشروع دريسكول. فالولايات المتحدة تستطيع نظريًا تمويل برنامج تحول عسكري بعشرات المليارات، لكن عليها في الوقت نفسه تمويل الحرب الحالية وتعويض الذخائر والمعدات وإعادة بناء المخزونات والحفاظ على انتشارها العسكري. وكلما طال أمد الحرب، أصبحت المنافسة بين هذه الأولويات أكثر حدة. ومن هنا يمكن فهم استقالة دريسكول من زاوية مختلفة.

التقارير الأميركية تؤكد أن خلافاته مع هيغسيث لم تكن مجرد خلافات شخصية؛ إنما ارتبطت بإقالة الجنرال راندي جورج وإدارة عملية التحديث وتغييرات القيادة العسكرية، لكنْ ثمة بعد سياسي آخر يجعل الاستقالة أكثر إثارة للاهتمام. فدريسكول كان قريبًا من نائب الرئيس جي دي فانس، إذ جمعتهما علاقة صداقة سابقة تعود إلى فترة الدراسة، وعمل دريسكول في السابق مستشارًا لفانس. وقد أكدت تقارير حديثة أن قربه من فانس كان من السمات اللافتة في موقعه داخل الإدارة، وأن العلاقة مع هيغسيث شهدت توترًا متزايدًا. ومن هنا يمكن طرح احتمال بأن استقالة دريسكول قد تكون، في بعض أبعادها، موجهة أيضًا إلى جناح فانس داخل الإدارة.

إن علاقة الرجلين تجعل هذا البعد السياسي جديرًا بالاهتمام، خصوصًا أن دريسكول غادر في وقت أصبحت قضية مستقبل الجيش جزءًا من صراع أوسع داخل إدارة ترامب نفسها. واللافت أيضًا أن دريسكول لم يعلن سببًا عامًا لاستقالته، فيما تؤكد التقارير أنه ظل على اتصال مباشر بترامب، وأن رحيله جاء بعد أشهر من التوتر مع هيغسيث، وهذا يجعل الاستقالة نفسها مساحة مفتوحة للتأويل. وإذا أضفنا إلى ذلك توقيت الاستقالة، تصبح المسألة أكثر حساسية. فالجيش الأميركي يخوض عمليات فعلية في الشرق العربي، بينما تتزايد الضغوط على القوات والقيادة والمخزونات. وفي هذه الظروف، يمكن أن تصبح الاستقالة وسيلة لحماية المسؤول سياسيًا ومؤسسيًا من نتائج مسار لا يوافق عليه.

يمكننا تصور أن الحرب مع إيران قد كشفت عمليًا المشكلات التي كان دريسكول  يحذر منها، وأن الاستنزاف العسكري جعل الخلاف حول تحديث الجيش أكثر إلحاحًا. فإذا كان الجيش يستهلك موارد كبيرة في الحرب الحالية، فإن قدرته على تمويل عملية تحول شاملة تصبح موضع سؤال. وهنا تظهر مفارقة دريسكول الكبرى: قد تكون الحرب الأخيرة أثبتت بالفعل صحة جزء كبير من رؤيته، لكنها، في الوقت نفسه، قد تجعل تنفيذ هذه الرؤية أكثر صعوبة.

الحرب التي تعتمد على المسيّرات والأنظمة الرخيصة تحتاج إلى إنتاج واسع وسريع، كما تحتاج كذلك إلى استثمارات ضخمة في الصناعة والتكنولوجيا. والحرب ذاتها التي تستنزف صواريخ الاعتراض والذخائر تحتاج إلى إعادة بناء المخزونات، لكنها في الوقت نفسه تستنزف الأموال التي كان يمكن توجيهها إلى التحول. وبالتالي تجد واشنطن نفسها أمام معادلة شديدة الصعوبة.

هنا يمكن فهم الصراع بين المجمع الصناعي–العسكري والمجمع الصناعي–التقني باعتباره صراعًا على توزيع الموارد وعلى شكل التراكم الرأسمالي العسكري الأميركي. فالمجمع القديم يدافع عن نموذج اقتصادي قائم على العقود العملاقة والمنظومات الباهظة ودورات الإنتاج الطويلة. في المقابل، يسعى المجمع التقني إلى نقل مركز الثقل تدريجيًا نحو البرمجيات والذكاء الاصطناعي والمسيّرات والأنظمة المستقلة والشركات الناشئة.

في النهاية، يبقى السؤال: أي طبقة صناعية ستنتصر في إنتاج الحرب الأميركية؟ فإذا انتقل الجيش إلى نموذج يعتمد على أعداد ضخمة من الأسلحة الرخيصة والتحديث السريع، فسيتغير حجم العقود، وطريقة توزيع الأرباح، وعلاقة البنتاغون بالشركات، وموقع رأس المال المغامر ووادي السيليكون داخل الدولة العسكرية الأميركية.

أما إذا عادت الحرب الطويلة إلى استنزاف الموارد، فقد تضطر واشنطن إلى تأجيل جزء من هذا التحول حفاظًا على قدرتها الحالية. وهنا تعود الجغرافيا لتفرض نفسها على الاقتصاد. فنقطة الاختناق تستطيع حرب إقليمية، من خلالها، أن تعيد توزيع تكاليف الإنتاج على الاقتصاد العالمي. وعندما يمتد تأثير هرمز من النفط والغاز إلى الأسمدة والهيليوم والمواد الخام والنقل، فإن الأزمة تصبح أزمة في المجال المادي الذي يقوم عليه التراكم.

من هذه الزاوية، قد تكون استقالة دان دريسكول واحدة من أولى العلامات السياسية على أن الولايات المتحدة دخلت مرحلة يصبح فيها الصراع على كيفية إنتاج الحرب جزءًا من الصراع على كيفية خوضها. وإذا كانت حرب إيران قد جعلت نقاط الاختناق الجغرافية قادرة على التأثير في هذه العناصر في وقت واحد، فإن المعركة أصبحت داخل الولايات المتحدة نفسها، بين نموذجين للتراكم العسكري، وفي لحظة يتزايد فيها ثمن الحفاظ على النموذج القديم بينما لم يولد النموذج الجديد بعد، ما يشير إلى ثمن باهظ قد تضطر أميركا إلى دفعه في نهايتها.

 

                                                             أحمد صبري السيد علي

 

تعليقات



حجم الخط
+
16
-
تباعد السطور
+
2
-