كتب / نجاح محمد علي
هناك لحظات في التأريخ لا تعلن عن نفسها بضجة، بل يُستدل عليها من تغير نبرة الخصم، وارتباك حساباته، وعودته المفاجئة إلى أدوات كان يظن أنه تجاوزها. نحن اليوم أمام واحدة من هذه اللحظات.
قبل أشهر قليلة، كانت الرواية الرسمية في واشنطن ويافا المحتلة واضحة: الحرب الاقتصادية الأشد في التأريخ ستُسقط الاقتصاد الإيراني، وستجبر طهران على الانحناء. كان الكلام يُقال بثقة، ويُكرَّر في الإعلام كأنه حقيقة محسومة. لكن شيئاً ما لم يحدث. الاقتصاد لم ينهر، والشارع الإيراني لم ينفجر، والقيادة في طهران لم تطلب هدنة. بل على العكس، بدأ الخصم يتحدث من جديد عن خيارات عسكرية، وكأنه يبحث عن مخرج من مأزق صنعه بنفسه.
السؤال الذي يفرض نفسه الآن ليس: هل نجحت العقوبات؟ بل السؤال الأعمق: لماذا فشلت أشد حرب اقتصادية صُممت خصيصاً ضد دولة واحدة؟
الجواب ليس معقداً كما يُراد لنا أن نصدق. فالحرب الاقتصادية، في جوهرها، بُنيت على صورة قديمة عن إيران؛ صورة لم تعد موجودة.
النفط الذي لم ينقطع… بل تضاعف
ركزت إدارة ترامب، ومن معها، على هدف واحد: تصفير صادرات إيران النفطية خلال أسابيع، عبر الحصار والضغط والتهديدات. لكن ما حدث فعلياً، بحسب المصادر الأميركية نفسها، أن إيران استمرت في تصدير النفط حتى منتصف أكتوبر على الأقل، وبأسعار أعلى بكثير مما كانت عليه قبل الحرب.
الأسعار المعلنة تضاعفت تقريباً، والنفط العائم في البحار كان يُباع بأسعار أعلى من المعلن، بسبب شح المعروض العالمي وتراجع الاحتياطيات في دول كبرى. والنتيجة؟ مداخيل إيران من الطاقة في الأشهر الثمانية الماضية تعادل تقريباً مداخيل 18 إلى 20 شهراً من الفترة نفسها في العام السابق.
و هذا هامش استراتيجي أُضيف إلى رصيد طهران، وأغلق باباً كان يُراد منه خنقها لأشهر طويلة قادمة. وحتى لو افترضنا نجاحاً كاملاً في وقف الصادرات، وهو أمر يشكك فيه كثير من الاقتصاديين، فإن إيران امتلكت بالفعل هامشاً زمنياً ومالياً كبيراً. والأهم أن التقارير الغربية نفسها تؤكد أن إيران ما زالت تستورد ما تحتاج إليه، بما في ذلك قطع غيار حساسة لبرامجها الدفاعية.
الحرب الاقتصادية أرادت أن تخلق انهياراً نفسياً يسبق الانهيار الاقتصادي. لكنها أخفقت في ذلك أيضاً. فقد كان الاستعداد الإيراني أعمق مما توقعه واضعو استراتيجية الضغط.
العودة إلى المربع الأول إعلان تراجع
بعد ثمانية أشهر، عاد الحديث عن حرب جديدة ضد إيران. وهذا الحديث بحد ذاته يعيد طرح سؤال جوهري حول نتائج استراتيجية الضغط: إذا كانت الحرب الاقتصادية قد حققت أهدافها، فلماذا تعود الخيارات العسكرية إلى الواجهة؟
