في الذكرى الـ250 لتأسيس الولايات المتحدة، لا تبدو البلاد مقبلة على احتفال وطني بقدر ما تبدو واقفة أمام محاكمة تاريخية لجمهورية تتآكل من الداخل.
فالمرآة التي تنظر
فيها أميركا اليوم لا تعكس مجد "الحلم الأميركي"، بل تكشف عمق الأزمة
التي أصابت مشروعها السياسي والاجتماعي والأخلاقي. لم تعد المسألة مجرد انقسام
حزبي أو توتر انتخابي؛ إنها سؤال عن بقاء الجمهورية نفسها: هل ما زالت الولايات
المتحدة قادرة على الدفاع عن دستورها وروحها المدنية، أم أنها تنزلق نحو صيغة
سلطوية مقنّعة تتغذى من الخوف والغضب والكراهية؟
لقد وُلدت أميركا عام
1776 على وعد الحرية وتقييد السلطة وسيادة القانون، لكنها بعد ربع ألفية تجد نفسها
أمام سلطة سياسية تسعى إلى إعادة تعريف تلك القيم بما يخدم منطق الزعيم لا منطق
الدستور.
وفي قلب هذه العاصفة
يقف دونالد ترامب، لا بوصفه مجرد رئيس مثير للجدل، بل بوصفه التعبير الأكثر فجاجة
عن انقلاب سياسي وثقافي على فكرة الجمهورية نفسها. فمنذ صعوده، لم يتعامل ترامب مع
المؤسسات باعتبارها ضوابط ديمقراطية، بل باعتبارها خصوماً يجب كسرهم أو إخضاعهم:
الإعلام عدو، والقضاء عقبة، والكونغرس أداة مساومة، والاستخبارات جهاز لا يُوثق به
إلا حين يخدم روايته.
بهذا المعنى، لم يعد
الخطر في السياسات وحدها، بل في تحويل الرئاسة من مؤسسة دستورية إلى منصة تعبئة
شخصية، ومن موقع خاضع للمساءلة إلى مركز قوة يختبر حدود النظام ويضغط عليها بلا
توقف.
والولايات المتحدة
التي تفاخر طويلاً بأنها "بوتقة انصهار" للهويات والثقافات، تبدو اليوم
كأنها تستدعي أسوأ غرائزها التاريخية تحت شعارات قومية صاخبة. فقد حوّل الخطاب
الشعبوي المتشدد الخلاف السياسي إلى معركة هوية، وأعاد تقسيم المجتمع بين
"أميركيين أصليين" و"دخلاء"، وبين من يُمنحون حق الكلام باسم
الأمة ومن يُدفعون إلى الهامش بوصفهم تهديداً لها. لم يعد الأمر صراعاً تقليدياً
بين محافظين وليبراليين، بل هندسة سياسية للخوف، تُستثمر فيها الهجرة والعرق
والدين والطبقة لإنتاج عدو داخلي دائم. وفي هذه اللحظة، لا تعيش أميركا انقساماً
اجتماعياً فحسب؛ إنها تشهد تآكلاً خطيراً في فكرة الأمة الواحدة، كأنها دخلت حرباً
باردة داخلية بين جمهورية الدستور والتعددية، وجمهورية الغضب الأبيض والشعبوية
الانتقامية.
وفي قلب هذا الانهيار
الأخلاقي يقف سؤال الحلم الأميركي نفسه: ماذا يبقى من هذا الحلم حين يتحول
المهاجر، الذي كان رمزاً لقدرة أميركا على التجدد، إلى عدو سياسي جاهز للاستخدام
في كل حملة انتخابية؟
لقد تأسس الحلم
الأميركي على وعد بسيط وعظيم في آن واحد: أن يستطيع الإنسان أن يبدأ من جديد، وألا
يكون أصله أو لونه أو طبقته أو مكان ولادته حكماً أبدياً على مصيره. لكن سياسات
معاداة الهجرة، وتوسيع الترحيل، وخنق اللجوء، والدعوات إلى إلغاء أو تقويض حق
المواطنة بالولادة، لا تمثل إجراءات إدارية عابرة؛ إنها مشروع سياسي لإعادة تعريف
أميركا على أساس النقاء والفرز والاستبعاد. فالمساس بحق الجنسية لمن يولد على
الأرض الأميركية هو ضرب مباشر لفكرة المواطنة المدنية، ومحاولة لإحلال منطق الدم
والنسب مكان منطق الدستور والمساواة أمام القانون.
وعندما يصبح الطفل
المولود في أميركا متهماً قبل أن يتكلم، ومشكوكاً في انتمائه بسبب وضع والديه،
فهذا يعني أن الحلم الأميركي لم يعد وعداً عاماً، بل امتيازاً طبقياً وعرقياً
وسياسياً تمنحه السلطة لمن تشاء وتحجبه عمن تشاء. إن الهجرة هنا ليست ملفاً
أمنياً، بل ساحة فرز عنصري مقنّع، تُستخدم لإعادة إنتاج هرمية قديمة بين “أميركيين
كاملي الأهلية” وآخرين يُراد إبقاؤهم في منطقة الشك الدائم. بهذه السياسات، تتحول
أميركا من أرض الفرصة إلى دولة اشتباه، ومن جمهورية مواطنة إلى نظام تصنيف، ومن
حلم إنساني واسع إلى امتياز ضيق تحرسه الحدود والأسلاك والخطابات التحريضية.
وهذا الانقلاب على
معنى الداخل الأميركي لا يبقى محصوراً داخل الحدود؛ فمن يضيّق معنى المواطنة في
الداخل يعيد، بالمنطق نفسه، صياغة علاقة أميركا بالعالم. وعلى الصعيد الدولي، لم
تعد أميركا الترامبية تتصرف كقوة تقود نظاماً عالمياً، بل كقوة تبتزّه. فمنذ الحرب
العالمية الثانية، بنت الولايات المتحدة شرعيتها الدولية على قيادة تحالفات
ومؤسسات وقواعد ادّعت أنها تحمي الديمقراطية والاستقرار.
لكن منطق ترامب حوّل
التحالفات إلى صفقات، والشراكات إلى فواتير، والقيم إلى أوراق مساومة. وبذلك تخلّت
واشنطن تدريجياً عن صورة “الأمة الرسالية” التي تزعم الدفاع عن الحرية، وبدت أقرب
إلى قوة قومية ضيقة لا ترى العالم إلا من نافذة الربح والخسارة والولاء الشخصي.
ومن هذا المنطق نفسه،
ينتقل الابتزاز السياسي إلى التهديد العسكري. فترامب، الذي قدّم نفسه مراراً
زعيماً قادراً على وقف الحروب وإنهاء "المغامرات الخارجية"، كشف في
الممارسة عن نزعة لا تقل اندفاعاً نحو استخدام القوة حين تخدم صورته السياسية أو
منطق الهيمنة.
وبين خطاب العزلة
وادعاء السلام، والقرارات العسكرية والتهديدات المفتوحة، تظهر مفارقة فاضحة: رئيس
يهاجم الحروب في العلن، ثم لا يتردد في اللجوء إلى القصف والابتزاز العسكري حين
يريد فرض إرادته. وقد تجلى ذلك في الضربات الأميركية على إيران واستهداف منشآتها
النووية، بما أعاد شبح الحرب الواسعة إلى الشرق الأوسط، كما ظهر في التصعيد ضد
فنزويلا، من التهديدات العسكرية إلى استخدام القوة تحت ذرائع مكافحة المخدرات أو
إسقاط الأنظمة المعادية.
أما التهديدات
المتكررة تجاه كوبا وغيرها من دول الجوار، فتؤكد أن “أميركا أولاً” لا تعني
الانكفاء عن الإمبراطورية، بل إعادة صياغتها بمنطق أكثر فجاجة: إمبراطورية لا
تتحدث كثيراً عن نشر الديمقراطية، لكنها لا تتردد في التلويح بالقوة والحصار
والعقوبات وتغيير الأنظمة حين ترى في ذلك مصلحة للزعيم أو فرصة لاستعراض القوة.
وهكذا يتحول وعد وقف الحروب إلى غطاء بلاغي لنزعة تدخلية انتقائية، لا يحكمها
القانون الدولي ولا رقابة الكونغرس بقدر ما يحكمها مزاج الرئيس وحسابات الانتقام
والهيبة الشخصية.
وكما تُستخدم القوة في
الخارج لاستعراض الهيبة، يُستخدم الاقتصاد في الداخل لإعادة توجيه الغضب الشعبي
بعيداً عن جذوره الحقيقية. فخطاب حماية الداخل تحوّل إلى أداة سياسية لتعبئة الغضب
أكثر مما هو مشروع إنقاذ حقيقي. فالحمائية والرسوم الجمركية وشعار إعادة التصنيع
قُدّمت كوعود للطبقة العاملة، لكنها في العمق كشفت مأزق نموذج اقتصادي لا يريد
الاعتراف بأن أزمته ليست في المهاجر ولا في العامل الأجنبي، بل في بنية رأسمالية
راكمت الثروة في الأعلى وتركت ملايين الأميركيين فريسة الخوف من السقوط. وهكذا
يصبح العامل الغاضب وقوداً لمشروع سياسي يَعِده بالحماية، بينما يوجه غضبه نحو
المهاجر والفقير والضعيف بدلاً من مواجهة جذور اللامساواة.
ولكي ينجح هذا التحويل
المنهجي للغضب، لا بد من ضرب الحقيقة نفسها. ففي المجال العام، أصبحت الحقيقة ضحية
مباشرة لهذا الانحدار. فانتشار المعلومات المضللة، والحرب المفتوحة على الصحافة،
وتحويل الإعلام إلى “عدو للشعب”، لا تمثل مجرد تكتيكات انتخابية، بل محاولة منظمة
لنزع الشرعية عن كل مؤسسة قادرة على مساءلة السلطة. وحين تصبح الحقيقة مسألة ولاء
سياسي، وحين يُطلب من المواطن أن يصدق الزعيم لا الوقائع، تكون الجمهورية قد دخلت
أخطر مراحلها: مرحلة انهيار المجال المشترك الذي تقوم عليه الديمقراطية.
وحين تتهاوى الحقيقة
وتضعف الرقابة، يصبح الفساد أكثر جرأة وأقل حاجة إلى التخفي. ولا يقف التدهور عند
حدود الخطاب والمؤسسات، بل يمتد إلى تفشي نمط خطير من الفساد السياسي وتضارب
المصالح واستغلال المنصب العام كأداة للإثراء الشخصي والعائلي.
ففي التجربة
الترامبية، لم تعد الرئاسة تبدو موقع خدمة عامة بقدر ما تحولت، في نظر منتقديها،
إلى مركز نفوذ مفتوح على المصالح الخاصة، حيث تختلط السياسة بالأعمال، والقرار
العام بالمكاسب العائلية، والسلطة التنفيذية بشبكات الأثرياء والحلفاء والممولين.
هنا يصبح المنصب
الرسمي رافعة للثروة، لا مسؤولية دستورية؛ وتصبح الدولة مساحة توزيع امتيازات على
المقربين، لا مؤسسة محايدة تخدم المواطنين. إن الخطر في هذا النوع من الفساد لا
يكمن فقط في شبهات الثراء أو المحاباة، بل في تحطيم الفاصل الأخلاقي بين المال
والسلطة، وفي تحويل الحكم إلى صفقة دائمة بين الزعيم وعائلته وأصدقائه من طبقة
الأثرياء، على حساب المصلحة العامة وثقة الناس بالديمقراطية.
ومن الفساد إلى
الانتقام، يكتمل منطق الدولة حين تُختزل في شخص الحاكم. فالأشد خطورة أن هذا
المسار يتقاطع مع نزعة انتقامية واضحة تجاه الخصوم السياسيين والإعلاميين
والقانونيين، بحيث لا تُدار الدولة كإطار جامع، بل كأداة عقاب لمن يعارض الزعيم أو
يرفض الولاء له. فحين يُستخدم القضاء لا كسلطة مستقلة، بل كسلاح للترهيب والتصفية
السياسية، وحين تتحول وزارة العدل أو أجهزة التحقيق إلى ما يشبه وكالة دفاع شخصي
عن الرئيس أو ذراع هجوم على خصومه، تكون الجمهورية قد فقدت أحد أهم شروط بقائها:
حياد القانون. عندها لا يعود الدستور مرجعاً أعلى، بل يصبح عقبة تُلتف حولها
السلطة كلما تعارضت مع رغباتها.
وهذا الاستهتار
بالدستور، مقروناً بثقافة الثأر السياسي، يضع البلاد أمام نموذج حكم لا يرى
المؤسسات إلا أدوات طيّعة، ولا يرى الخصوم إلا أعداء يجب إخضاعهم، ولا يرى القانون
إلا وسيلة انتقائية تُستخدم حين تخدم السلطة وتُهمل حين تقيّدها.
لقد قامت التجربة
الأميركية على ركائز كبرى: الدستور قيداً على السلطة، والتعددية هويةً وطنية،
والعقلانية السياسية أداةً للحكم، والقيادة العالمية امتداداً للقوة. غير أن
المشروع الترامبي يضرب هذه الركائز واحدة تلو الأخرى: يستبدل الدستور بمنطق
الزعيم، والتعددية بالهوية المغلقة، والعقلانية بالغضب التعبوي، والقيادة
بالانعزال والابتزاز، والنزاهة العامة بثقافة الصفقة والمحسوبية.
ومع تصاعد خطاب الاشتباه
بالمهاجرين ومحاولة تقليص معنى المواطنة، وتفشي منطق الانتقام من الخصوم وتسليح
القضاء وتطويع المؤسسات، وتحوّل السياسة الخارجية إلى مجال لاستعراض القوة
والتهديد والضربات الانتقائية، لا يعود الأمر انحرافاً عابراً، بل محاولة لإعادة
بناء أميركا على قاعدة التفوق والإقصاء والولاء الشخصي.
فالبلاد التي قدّمت
نفسها أرضاً للفرص والملاذات تبدو اليوم كأنها تشيّد حدوداً داخلية لا تقل قسوة عن
حدودها الخارجية: حدوداً بين من يحق لهم الحلم ومن يُطلب منهم إثبات إنسانيتهم كل
يوم، وبين من تحميهم السلطة لأنهم جزء من شبكتها ومن يُلاحقون لأنهم رفضوا الخضوع
لها. لذلك، فإن الذكرى الـ250 ليست مناسبة فخر، بل جرس إنذار: إما أن تعود
الجمهورية إلى معناها الدستوري المفتوح، أو تواصل السقوط نحو قومية بيضاء مقنّعة
بسياسات أمنية وقانونية واقتصادية، ونظام حكم يخلط بين الدولة والزعيم والمال والعائلة
والقوة العسكرية.
في عيدها الـ250، لا
تقف الولايات المتحدة أمام أزمة سياسية عابرة، بل أمام لحظة حساب تاريخي مع ذاتها.
فالجمهورية التي رفعت شعار الحرية وصدّرت صورتها بوصفها نموذجاً للديمقراطية، تجد
نفسها اليوم أمام سؤال لا يمكن الهروب منه: هل تستطيع أن تبقى جمهورية قانون
ومواطنة، أم تتحول إلى دولة خوف يحكمها منطق الزعيم والغنيمة والانتقام؟
إن مصير الحلم
الأميركي لم يعد يُقاس بقدرة الفرد على الصعود وحده، بل بقدرة الدولة على حماية
معنى المساواة من الانهيار، وصون المواطنة من التحول إلى امتياز، وحماية الدستور
من أن يصبح ورقة تُطوى عند أول تعارض مع شهوة السلطة.
فإذا عجزت أميركا عن
حماية الطفل المولود على أرضها من التشكيك في انتمائه، وعن حماية المهاجر من
التحريض، والحقيقة من التزوير، والقضاء من التسليح، والمال العام من المحسوبية،
فإنها لا تخسر مجرد سمعتها العالمية، بل تفقد الروح التي منحت تجربتها معناها
التاريخي.
لذلك، ليست الذكرى
الـ250 عيداً بريئاً في روزنامة وطنية، بل إنذاراً مكتوباً على جدار الجمهورية:
إما أن تستعيد أميركا وعدها الأول كأرض للحرية والمواطنة والكرامة الإنسانية، أو
تدخل قرنها الثالث كقوة كبرى تطارد حلمها القديم، وتخنقه بيديها، ثم تسأل العالم
لماذا لم يعد يصدقها.

