بقلم الكاتب مهند الهلالي
لم يعد الشرق الأوسط ساحةً للصراعات التقليدية فحسب، بل أصبح مسرحًا لحروب متعددة المستويات منها عسكرية، واقتصادية، وسيبرانية، واستخبارية. وفي ظل هذا المشهد المتشابك، يبرز سؤال يتكرر في الأوساط السياسية ومراكز الدراسات: هل أصبحت الفوضى هدفًا بحد ذاتها لدى بعض القوى الكبرى، أم أنها مجرد نتيجة جانبية لصراع المصالح؟
يرى عدد من الباحثين في شؤون الشرق الاوسط أن الولايات المتحدة والكيان الصهيوني قد تجدان في بيئة إقليمية مضطربة مساحةً أوسع لإعادة رسم موازين القوى بحسب رؤاهم المنحرفة ، وهذا الرأي يستند إلى فكرة أن استمرار التوتر قد يحقق بعض المكاسب الاستراتيجية.
فالدول المنهكة بالأزمات سواء السياسية الداخلية والخارجية تارة وبالحروب فيما بينها تارة اخرى تكون أقل قدرة على بناء جيوش قوية أو تشكيل تحالفات إقليمية مؤثرة، كما أن انشغال الحكومات بأزماتها الأمنية والاقتصادية يحد من قدرتها على تبني سياسات خارجية مستقلة.
في المقابل، يرى آخرون أن الفوضى ليست خيارًا مضمون النتائج، إذ يمكن أن ترتد آثارها على جميع الأطراف. فاضطراب الملاحة البحرية، وارتفاع أسعار الطاقة، واتساع رقعة الحرب ، كلها عوامل قد تُلحق أضرارًا بحلفاء واشنطن وبالاقتصاد العالمي، فضلًا عن أنها قد تخلق بيئات أمنية أكثر تعقيدًا يصعب السيطرة عليها ، وهذا الموقف ربما نراه متجسدا بموقف معارضي ترامب من الديموقراطيين وحتى من بعض الجمهوريين فضلا عن رأي بعض رؤوس الاموال النافذين في الولايات المتحدة وهم افراد في لوبيات ربما يكون رأيهم اهم من السياسيين لان هذه النخب هي من تصنع الرؤساء والحكومات في بلد قائم على سطوة المال والاقتصاد ، بل ربما يذهب دور هؤلاء الافراد الى ابعد من الرأي ويتدخل في تحديد العلاقة مع "اسرائيل" ودفعها او ايقافها من القيام بخطوات ما ..
إن ما يشهده الشرق الأوسط اليوم من أزمات متزامنة في غزة ولبنان وسوريا والعراق واليمن ودول الخليج والبحر الأحمر وصولا الى مصر ، إلى جانب التوتر الاميركي المستمر مع إيران، يجعل المنطقة أمام مفترق طرق. فإما أن تتجه نحو ترتيبات سياسية جديدة تخفف من حدة الصراعات، أو تستمر في دوامة الاستنزاف التي تُبقي الجميع في حالة استنفار دائم ، ومن المؤكد ان صاحب الاوراق الاكثر تأثيرا لن يكون عابر القارات بل ابن المنطقة وصاحب الارض ونحن نراهن على صمود اصحاب الارض وحنكتهم في استخدام ادوات القوة والاقتدار لديهم في هذه الحرب الاستنزافية التي ستكون مخرجاتها باذن الله تعالى لصالح اهل المنطقة لخلق حالة واقعية جديدة مغايرة لما كان عليه الحال قبل الحرب .
وفي النهاية، تبقى الإجابة على التساؤلات المتعلقة بمخططات العدو الاميركي الصهيوني والتي بحسب ما تقدم اما تكون متوجهة نحو خلق الفوضى واما السير نحو ما يعلن من سعي لانهاء المشاريع السيادية الاستقلالية في المنطقة ، الاجابة عن ذلك ستكون مرهونة بما ستكشفه التطورات المقبلة .
